تهافُت خبراء "الإرهاب" وبؤس التسرع الإعلامي - هشام ملحم (النهار)
كأن 16 سنة على تفجير أوكلاهما سيتي، الذي سارع البعض الى تحميل الاسلاميين المتطرفين مسؤوليته قبل اتضاح هوية الفاعل تيموثي ماكفي الاميركي اليميني، لم تمر، وكأن دروسه قد نسيت. الجمعة الماضي كان مأسوياً لنروج، لكنه كان بائساً لبعض أهم وسائل الاعلام الاميركية والغربية والاسرائيلية، التي سارعت إما الى توجيه اصبع الاتهام الى "الجهاديين" واما الى تبرير "مخاوف" الارهابي أنديرس بريفيك من التعددية الثقافية و"الغزو" الاسلامي لاوروبا. وحتى بعد اعتراف بريفيك بمسؤوليته عن المجزرة، اصرت صحف على إقحام تنظيم "القاعدة" في هذه المجزرة بالقول انها "تقليد" أو استعارة لأساليب "القاعدة".
حتى صحيفة "النيويورك تايمس" تخلت عن دقتها وأوقعت نفسها ضحية لتقويم خبير في الشؤون الارهابية اسمه ويل ماكانت حين أوردت في موقعها الالكتروني الجمعة ان "التنظيم الارهابي المعروف باسم انصار الجهاد العالمي أصدر بياناً أعلن فيه مسؤوليته عن الهجوم". ولاحقا اشارت الصحيفة الى ان "التقارير الاولية ركزت على احتمال ضلوع الاسلاميين المتشددين، وتحديداً انصار الجهاد العالمي في الهجوم وفقا للمحللين".
هذا التقويم الاولي للصحيفة، سرعان ما تحول تأكيداً لضلوع الاسلاميين في الهجوم، عندما بثت اذاعة "البي بي سي" العالمية خبراً بهذا المعنى. المعلقة في صحيفة "الواشنطن بوست" جينيفر روبن ذهبت أبعد من "النيويورك تايمس" وادعت ان المؤشرات تبين ان جناحاً في الحركة الجهادية شن الهجوم لمعاقبة نروج على مشاركتها في حرب أفغانستان.
المعلق المحافظ والمرشح السابق لمنصب الرئاسة باتريك بيوكانون ادعى انه بالنسبة "الى المواجهة الضخمة بين الغرب الذي كان مسيحياً في السابق والعالم الاسلامي... ربما كان بريفيك على حق". وليس من المبالغة القول إن افتتاحية صحيفة "الجيروزاليم بوست" في اسرائيل كانت من اوقح ما كتب عقب المذبحة من انه سيكون خطأ كبيراً ان تحجب هذه المأساة حقيقة اخفاق سياسة التعددية الثقافية التي اعتمدتها دول اوروبا التي فتحت ابوابها لهجرة المسلمين، وان يتهم منتقدو هذه التعددية بالعداء للاسلام، وأملت الصحيفة ان تتحول المجزرة فرصة "لإعادة النظر جدياً في سياسات دمج المهاجرين" المسلمين في نروج وغيرها من الدول الاوروبية.
كما أظهرت مجزرة اوسلو عقم استخدام كلمة "الارهاب" التي اعتمدتها وسائل الاعلام هذه عندما كانت الشكوك تحوم حول ضلوع الاسلاميين المتطرفين في العنف، وكأن هذه الكلمة باتت تستخدم فقط ضد عنف الاسلاميين. بعد كشف هوية بريفيك، غابت كلمة "الارهاب" لتحل محلها كلمة "التطرف". في خضم هذا الجدل الاولي العقيم غابت حقيقة انه من أصل 294 عملاً ارهابياً أو محاولة ارهابية في 2009 في أوروبا ارتكب "الاسلاميون" عملاً واحداً فقط.