إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

جمهوريّة الباطون - فيليب سكاف (النهار)

في أيّار 1957، ألقى مهندسٌ معماريٌّ لبناني رؤيويٌّ محاضرة في الندوة اللبنانيّة، تناول فيها فنَّ العِمارة في لبنان. آهٍ لبنان الخمسينات، لبنان الاستقلال، لبنان الجَنة الخضراءِ والسّهول.
في تلكَ المُحاضرة، كانَ همّ ذلكَ المُهندِسِ الشاب، التطوّر الذي أخذ يَجرفُ معهُ تراثَ بلدِنا الهندسيِّ، على قولِه. وسمِعهُ السّامعونَ، آنذاك، يتحدّثُ عمّا وصلَ إليه لبنان من تشويهٍ لفنِّ العِمارة فيه، وعن مسؤوليّةٍ تقعُ على المؤسّسات الرَّسميّة وغير الرَّسميّة عندنا، وأن وضع المهندس المِعماريّ في حياتِنا لا يختلفُ عن وضْع الطبيبِ أو المُحاميّ. بمعنى أن الطبيبَ الجاهلَ قد يُودي بكَ إلى التراب، والمحامي الفاشلَ قد يحمِلك إلى خلف القضبان، فكيف بالأحرى المهندسُ الذي قد يجعلُ حياتك جهنّماً، فيجعلك تعيش في مدن وقرى معلبة بائسة، طرقُها مكتظةٌ ، تسرقُ منك النومَ من ضجيجها، والصحّةَ من تلوّثها، والوقتَ من ازدحامها، والرّفاهيةَ من فشل خدماتها والمالَ من سؤ حالها. فتمسي أشبه بمُخيّماتٍ بائسةٍ في وطنِ الإستقلال والجمال، تمحو ذاكرةً ذهبيّة لوطنٍ تمنّى العالمُ أن يكون له في ربوعه "مرقد عنزة"، وقد استبدلناه بمرعى إسمنتيّ كئيب. قال المهندسُ الفتيُّ إنّ النهضة العمرانيّة في لبنان، منذ الحرب العالميّة الثانية، أدّت إلى تغيير وجه العاصِمة بيروت بسرعة قلما حصل مثلها في العالم، في شكلٍ أقلُّ ما يُقال فيه إننا لا نُحسد عليه، وإنّ التشويه الذي تبع تلك النهضة تعدّى العاصمة إلى المدن الرّئيسة الأخرى وإلى مناطق الإصطياف وقرى الجبل. وقال إنه منذ دخلت البلادُ أساليبَ العَمار، بمواد جديدة بطلها الباطون المسلّح، صار بفعل غيابِ التنظيم المدني، وغياب الوعي البلدي، والتلاعبِ بقوانين البناء... نكبةً على لبنان، ومثالاً حيّاً يشهد على الاستهتار بما ورثناه عن أجدادنا من قيم هندسيّة أصيلة. حدث هذا في 20 أيّار 1957. وبعد يومين، أي في 22 أيّار بالتحديد، دخلت أمّي المستشفى لتلدني. وبعدها بخمس وأربعين سنة، أصدرتُ كتابي "جمهوريّة الباطون"، وهو مجموعةٌ من 5600 صورة حيّة من كلّ المحافظات والأقضية والبلدات والقرى، أثبتت رؤيا ذلك المهندس الشاب.
اليوم، مضت على كتابي عشر سنوات. فعذراً من الرّئيس الرّاحل سليمان فرنجيّة ومن كلّ عهود الاستقلال: وطني لم يكن "دائماً على حق"، بل الشاب عاصم سلام، المحاضِر سنة 1957 في الندوة اللبنانيّة عن العِمارة في لبنان الأمس، العِمارة العاهرة اليوم... وغداً!

← العودة إلى مختارات