إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

كسرة من الحرية ورغيف كامل - سمير عطالله (النهار)

ما بين بلغاريا وحزب العمال في بريطانيا ايضا.
كان الشرق العربي المستقل مع نهاية الحرب، قد عرف ومارس النظام الديموقراطي كما وضعه الانتداب. لم يترك البريطانيون "وستمنستر" في بغداد، لكنهم تركوا هيكلية برلمانية مقبولة. ولم تتحول مصر وستمنستر على النيل، لكن القاهرة عرفت حدا لائقا من الحرية في الصحافة والسياسة. ولم تذب الطائفية في لبنان، لكنها هُذّبت من خلال ميثاق وطني، قائم على التسوية وتقدير الآخر والاحتكام الى دستور متوازن ولو الى درجة الغموض.
تفرد العرب في عالم ما بعد الحرب بقضية كبرى ظلت بلا حل: في اوروبا جرى تقسيم المانيا دولتين، وفي آسيا تم تقسيم كوريا والصين. اما في العالم العربي فقد عجز النظام الاستقلالي عن اسقاط قرار التقسيم في فلسطين، وكذلك عن ربح الحرب ضد اسرائيل. ولذلك تداعت الانظمة الاستقلالية لكي تقام مكانها "أنظمة التحرر". وبسبب تماهي الغرب وتلازمه مع اسرائيل، اختار العرب الاشتراكية بدل الرأسمالية. ومع اسقاط الطبقات الاستقلالية والغائها، ألغيت الحريات والممارسة الديموقراطية، واقيمت دول حزبية على غرار السوفيات، وبقي لبنان وحده، على شيء من هذا وذاك، حتى بعد سوقه الى الحرب الاهلية وارغامه على احراق الميثاق الوطني وسف رماده، باعتباره السبب والعلة معا.
على رغم الحرب واحراق الميثاق، ظل في لبنان شيء من معالم الدولة الحديثة: الصحافة تمارس حرية غير معروفة في معظم العالم العربي. والسياسيون يربحون ويخسرون، مع ان الناخب واحد. والاقتصاد يقاوم اغراء اللفظيات في حرب النجاح والفشل، والقوت والجوع. رفض نظام التحرر العربي ان يعلن فشله في بلوغ دولة القانون والانتاج. امّم الاراضي واخفق في الزراعة. الغى الصحافة، مثل روسيا، لكنه لم ينشر مثلها الثقافة والمعرفة والعلوم. رفع عدد الجامعات واهبط مستوى العلم، وصارت الشهادات تصرف كالمكافآت. بأمر من المفوض، الذي يوزع المراتب والمكاسب وصكوك الوجود.
كان ثمن الاستقرار السياسي بعد عصر طويل من الانقلابات والصبيانيات، الغاء كل شيء آخر. رفع العسكريون راية فلسطين، طالبين من مواطنيهم التقشف بكل شيء في سبيل ذلك، لكنهم رأوا العراق يذهب الى الكويت، والجزائر الى المغرب، وليبيا الى التشاد، واريتريا الى اليمن، وشمال اليمن الى جنوبه، مع ان لا تغيير في نص الاغنية: يا فلسطين جينالك.
بعد نصف قرن يخرج العربي حاملا دمه على كفه، كي يطالب بصحيفة معقولة يقرأها، وبحقه في الوقوف على النافذة. خرج يسأل، كيف يبقى هو جائعا في ظل الاشتراكية، وتكون ثروة احمد عز 19 مليار دولار. وكيف يبقى 30 مليون مصري تحت معدل الفقر، فيما ينام علاء وجمال مبارك على ثروات قارون وهارون؟ لماذا، ومقابل ماذا، امضى نصف القرن الماضي يجوع ويذهب الى التجنيد الاجباري ويقرأ صحيفة صادرة في القرن الثامن عشر؟ مع تعديل طفيف في اسم الحاكم.
امضى حكام الحقبة نصف قرن من غير ان يذهبوا الى فلسطين او ان يعودوا بها. وبدل ان تقوم طبقة جديدة من الابطال والمثقفين والعلماء والصناعيين والزراعيين، قامت طبقة من الاحتكاريين، والفاسدين، والفاسدين بلا حدود لقحة الفساد. مقابل التوحش الرأسمالي ولامبالاته وعجرفته، قام توحش "وطني" يتمشى فوق صدور الفقراء. وبدل ان يرمي الرأسمالية الى مزبلة التاريخ، رمى اليها كل ما قال وخطب واذاع عن الامبريالية والكارتيلات والاحتكار والاستغلال.
لا ينام العربي على الارصفة بسبب العزة، كما يفعل الاوروبي، لكنه ينام في اقبية واكواخ وغرف اسوأ واظلم واعتى. وينام ملايين اللاجئين في المخيمات. ومن حسن حظ العربي انه لا يزال يرتدي الثوب او الجلابية للستر، والا لرأينا الملايين عراة، في الحر او في البرد. خلال الحرب (اللبنانية) قال الدكتور سليم الحص انه مهما حدث، يجب حماية النظام. وقلت في نفسي يومها، ماذا يقصد هذا الرجل ومن يخاطب؟ وفاتني ان سليم الحص استاذ اقتصاد في الجامعة الاميركية. وعندما صرت ازوره في الصومعة التي يستقبل فيها، ارى كل مرة كتاب اقتصاد مختلفا على الطاولة امامه. والآن نجد ان اول انفراج بحثت عنه سوريا مع الرئيس بشار الاسد كان في البنوك. واكبر ضرر لحق بها من احداث الاشهر الاخيرة، هو ما حصل للاحتياط في دولة طالما فاخرت بأنها غير مدينة لأحد.
طوال عقود، ظلت بيروت مصرف دمشق، مع ان المال السوري الذي عبر الحدود هو الذي صنع موجة الازدهار الاولى في لبنان. وبعدما كانت الثروات تلعب هذا الدور صار ألوف العمال القابلين بأجور عادية وعمل متعب، هم ضرورة اي عمران. فيما انصرفت سوريا الى التمسك بخطابيات الايديولوجيا الماضية، راح البلد المتصدع الى جانبها يقطف ثمار الاقتصاد المنتج، على رغم كل حروبه ومآسيه.
وطرح وليد جنبلاط نقاشا ذات مرحلة عنوانه، هل يكون لبنان هونغ كونغ، ام هانوي؟
كنت يومها أفكر في حل ثالث. في سنغافورة، الخالية من الاضواء الحمراء ومرابط اوكرانيا، والمليئة بالمصانع والنظافة والكفاية والشعور بالكرامة البشرية. دولة صغيرة نفضت الفقر والمستنقعات وروائح الصرف الصحي، وصارت نموذجا كونيا.
في ثلاثين عاما، اصبح من السذاجة البحث في الكتب القديمة عن نماذج حية، فيما تنهض في بلدان الكبت والفقر الماضي، امثولات فائقة البساطة والسهولة: الحرية الموازية للرفاه في التشيلي، ذات يوم بلاد اوغستو بينوشيه، القوة والاستقلال وسرعة النمو في بولونيا. وهنا في تركيا، حيث اثبت الاسلام المعتدل، انه قادر على تحقيق اكبر نسبة عصرية من النمو. وفيما يحافظ رجب طيب اردوغان على لقبه الاثير "مؤذن اسطنبول"، يترك لوزارة السياحة ان تستقبل ملايين الاوروبيين، اضافة طبعا الى ملايين العرب، الذين لن يذهبوا هذا الصيف الى مصر وسوريا ويحارون في صيف لبنان.
بعد نصف قرن على اسقاط الديموقراطيات العربية، المتفاوتة الاخفاقات، نبحث الآن عن حلول في بقاياها. عن اشتراكية فيها انسان وعامل وفلاح، وليس حملة مليارات. عن حريات صغيرة، عادية، بسيطة، مثل اختيار لون الاغاني، وحق الامتناع عن الاصغاء الى المقابلات الغليظة. الحق في قراءة (او الاصغاء الى) مفكر او مثقف يتحدث، من غير ان يحرج احدا، عن معدلات النمو والتقدم والعلم، في بلاد الآخرين. وايضا عن معدل الاعمار فيها.
الذين يرقبون من الخارج فوران العالم العربي، يخيل اليهم، ان مرحلة شبيهة بالثورة الفرنسية او الروسية تسود المنطقة، فماذا يفعل الملايين في الميادين والشوارع؟ يطلبون العودة الى شيء من "العهود البائدة". ولغة بسيطة مباشرة في مخاطبتهم، خالية من الجمل الطويلة التي لا تقول شيئا. مطلوب شيء من الكفاية وشيء من الحرية وكرامة تامة. وهذه ليست ملك احد ولا منة احد. في جميع الامم السوية، الناس تملك الدولة، وليس العكس.
هذه اشياء نسيناها منذ زمن طويل. الامة لا تثور. الامة تعود الى بديهيات الامم. ويحق لأحمد عز ان يجمع 19 مليار دولار لو لم يكن شريك رئيس الدولة وولديه. يحق لجمال مبارك ان ينافس كارلوس سليم، لو لم يكن ابن حسني وسوزان مبارك. وقد حق لليتيم المشرد لويس ايناسيو لولا دا سيلفا ان يكون اهم رئيس في تاريخ اهم دولة في اميركا اللاتينية. كم هي بسيطة هموم العرب. ان يعرف العراقي مثلا، لماذا الموازنة 350 مليار دولار، وليس في البصرة كهرباء الا اربع ساعات. وان يعرف الليبي لماذا لا يقدم اليه نظام حكم الشعب موازنة واحدة. وان يعرف الليبي لماذا بقرت بلاده ولا يزال معمر القذافي يلعب الشطرنج، كأنما كل ما حوله، اولا وآخرا وبين بين، كما يقول فؤاد كنعان، ليس سوى لعبة قاتلة، اولا واخيرا.

← العودة إلى مختارات