إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

امتحان مزدوج - ساطع نور الدين (السفير)

الحكم على الأفعال لا على الأقوال، لا يعني حكماً دولياً ببراءة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي من التهمة التي اطلقها فريق الرابع عشر من آذار بأنها حكومة حزب الله وسوريا وايران، بل يوازي قراراً بتركها بسند اقامة. ثمة تسليم اميركي وفرنسي واوروبي عام بالأمر الواقع اللبناني الذي لا يمكن رده، لكنه ايضاً ترجمة ضمنية للموقف الدولي القائل بأن ما ينطبق على سوريا وايران ينطبق ايضاً على لبنان، حيث لا قطيعة، بل مراقبة ومحاسبة ومعاقبة متواصلة، تتخللها بعض الاتصالات والمفاوضات المباشرة.
الردود الدولية الاولى على تشكيل الحكومة، عبرت علناً عن أن لبنان دخل في امتحان جديد، اهم ما فيه انه لا يقيس درجة التزامه بالقرارات الدولية، بقدر ما يحدد مدى استعداد دمشق وطهران للتجاوب مع تلك القرارات التي تمسهما ايضاً وبمعدل واحد تقريباً. وتلك هي فلسفة القرارين 1595 و1701، وجوهرهما الفعلي، الذي بات من الصعب على اي مسؤول سوري او ايراني ان ينكرها، او ان يزعم ان المسرح اللبناني لا يزال متاحاً أمامهما مثلما كان في الفترة الماضية.
يعرف المجتمع الدولي ان الحكومة الجديدة لن تصمد يوماً واحداً بعد التغيير الذي بدأت معالمه الأولى تظهر في دمشق، وبعد التبديل الذي بدأت بوادره تلوح طهران. وموازين القوى المحلية التي أفرزت تلك التشكيلة الحكومية، تنتمي الى ما قبل الأزمة العميقة في سوريا، وما قبل الاضطراب الداخلي للنظام الايراني. ولعل ذلك هو الدافع الضمني للخطوة الاستثنائية التي اقدم عليها الرئيس نبيه بري، وعبر من خلالها عن قلق شيعي من المستقبل الذي قد لا يكون فيه الحليف السوري او الايراني حاضراً او جاهزاً للحماية او الرعاية.
وما عدا ذلك فإن الحكم على الافعال اللبنانية التفصيلية لا يمكن ان يعتبر بأي حال من الاحوال قراراً باعادة لبنان الى جدول الاعمال الدولي، ولا يمكن ان يوازي اهمية الحكم العربي، السعودي والخليجي، والمصري ايضا، على الحكومة الجديدة، التي يمكن ان يكون امتحانها امام العرب اشد صعوبة من امتحانها امام الغرب. والإشارات العربية الاولى كافية للاستنتاج بان واشنطن وباريس ولندن يمكن ان تبدي تسامحاً مع تلك الحكومة اكبر من ذلك الذي تبديه الرياض وابو ظبي والدوحة.. والقاهرة التي تميزت عن الاشقاء الخليجيين بالتعبير عن حرص خاص على سوريا في محنتها الراهنة، لكنها اضطرت الى التخلي عن بعض اجتهاداتها الإيرانية الأخيرة، والانسجام مع الموقف الخليجي العدائي من ايران.
وبهذا المعنى يمكن ان تكون الحكومة الجديدة، من وجهة نظر دولية، مجرد فرصة لسد الفراغ اللبناني الذي كان ينذر بانهيار أمني وسياسي واقتصادي، حتى ولو جرى ذلك على يد حزب الله او سوريا او ايران، ومن دون ان يعكس ذلك صفقة ضمنية جديدة تشبه تلك التي ارسيت في العراق، على ما يفترض البعض ممن يظلمون نوري المالكي ونجيب ميقاتي معاً. اما وجهة النظر العربية، فهي لن تظل سراً، ولن تكون فراقاً مع الأميركيين والأوروبيين.

← العودة إلى مختارات