خبر عن ثلاثة ارتباكات في «الأخبار» - جان عزيز (الاخبار)
لست ناطقاً باسم «الأخبار»، لكنّي ككاتب ومعلّق سياسي فيها، لا يسعني تجاهل الكتابة عنها بعدما تحوّلت هي، أي الصحيفة، إلى الخبر. فبحكم هويتها وعلة وجودها، للوسيلة الإعلامية وظيفة بديهية، هي نقل الخبر أو الحدث، وبالتالي تحليلهما، مع ما يعني ذلك عند القلة من أصحاب الرؤية، إمكان توقع الحدث أو التنبؤ بوقوع الخبر. لكن حين تصير وسيلة إعلامية هي نفسها موضوع الخبر أو مضمون الحدث، فهذا يعني إما أنها تخطت الذروة، وإما أن أحداث بلادها ومنطقتها وبيئتها قد اجتازت آخر درك هبوطاً.
منذ مدة غير بسيطة، يلهج بعض الألسن عندنا بجريدة «الأخبار». معظم الكلام منبعه الحرص. وأقل منه سببه مجرد التدقيق في الواقع والوقائع. والقليل القليل منه ـــــ يُرجى ذلك ـــــ معزوّ إلى حسد أو ما شابه من ضعة.
خلاصة التناول اتهام «الأخبار» بأنها تعيش منذ أسابيع عدداً من الارتباكات. أولها ارتباك في مقاربة «الحالة» الشيعية في لبنان. وثانيها ارتباك في التعامل مع «الوضع» السوري. وآخرها ارتباك في التعاطي مع «وضعية» نجيب ميقاتي.
ورغم أن هذه المسائل هي من «المحرّمات» في القاموس السياسي والإعلامي في لبنان، ومن المحظورات المسكوت عنها، يظل من الضروري التذكير بموضوعات تلك «الارتباكات»، ولو من باب إدمان كسر المحرمات. فما يسمّونه «الارتباك» الشيعي، بدأ الكلام فيه بعد سلسلة وثائق ويكيليكس، التي تناولت رئيس المجلس النيابي وبعضاً من معاونيه. يومها، صدر بيان عنيف عن حركة «أمل» استتبع إطلالة خاصة للأمين العام لحزب الله. بعدها، بدأت موجات الهمس على طريقة أسرار بعض الصحافة وبوح بعض الصالونات. كلام مُجهَّل ومغفل عن سحب عناصر حماية وانكفاء مترجمين، وعن إقفال ملفات «ويكيليكسية»، ونجاح «هجوم وقائي».
بعدها بأيام، بدأت أحداث سوريا. وانطلقت الألسن للصق ارتباك سوري مستجد بالصحيفة نفسها. المريدون لفريق الممانعة الممتد من جنوب لبنان حتى بوشهر، يعدّون «الأخبار» لسان حالهم. فما بالها تتحدث عن «شيء» ما في سوريا؟ كذلك، إن الحالمين بالحرية المطلقة وبيوتوبيا الديموقراطية، هم أيضاً يعدّون «الأخبار» ضميرهم غير المستتر. فما بالها «تتستر» على بعض ما يحصل هناك؟ ولأن الموقع الإلكتروني ـــــ كما كل ثورة الاتصالات ـــــ سلاح ذو حدين، انطلقت الغرائز من كل عقال، وصالت وجالت على مفاتيح «التعليقات».
في هذا الوقت، كان «ارتباك» ثالث يتبلور عند أصحاب القراءات. «الأخبار» مرتبكة في تعاطيها مع نجيب ميقاتي. ففريق المعارضة الذي تُنسب «الأخبار» إلى فضائه، فتح معارك مع رئيس الحكومة المكلف. لكن الصحيفة ظلت على حيادية «غير معتادة» في مقاربة أداء رجل الأعمال الطرابلسي. حتى جاءت وثائق ويكيليكس في صحيفة أخرى، تتناول أقوال ميقاتي، لتزيد من كثافة الظلال حول هذا الارتباك الثالث المزعوم.
قطعاً، لا لزوم لأي تبرير لكل تلك الاتهامات. على الأقل ليس بالنسبة إلى أي قارئ من «أهل البيت»، الذي هو بمنازل كثيرة بين بيروت ودمشق وجوارهما. فأي صاحب نية حسنة يدرك تمام الإدراك أن تلك الإشكاليات الثلاث إنما هي في الواقع العملي مآزق فكرية لا حلول لها ولا أفق. صحيح أن هناك مشكلة في الواقع الشيعي، لكن الصحيح أيضاً أن تلك «المشكلة» محكومة ـــــ ويجب أن تكون وأن تظل محكومة ـــــ بأولوية الحفاظ على عنصر القوة اللبنانية التي يوفرها هذا الواقع تحديداً. على طريقة الاختيار بين الانهزام أمام إسرائيل أو مشكلة في الشياح. والواقع هو فعلاً كذلك لكل من يعرفه. وفي سوريا، المأزق مماثل. فهناك فرض على الجميع واقع إشكالية الحرية على حساب الممانعة، أو العكس؛ إذ لم يترك «ليبراليو» درعا و«أمراء» بانياس أي حل وسطي بينهما. إما أن تكون «ديكتاتورياً مستبداً»، وإما أن تكون «مندساً» «أصولياً» أو «مخرباً». والمأزق النظري نفسه يمثله نجيب ميقاتي: كيف تصوّب عليه ولا تفتح الدرب لعودة فريق جيف وكوندي؟ وكيف تُفسح له المجال ولا تخذل الذين واجهوا الفريق الأول وأسقطوا مشاريعه؟
وسط تلك المآزق، ينسى بعضنا أنه حين يكتب التاريخ درس «أبوكاليبس» تموز 2006 وما تلاه في السياسة، سيفرد أكثر من صفحة لصحيفة «الأخبار»، وسيجزم بأن مجموعة من الأقلام الممسوكة بأذرع الأحلام والمبادئ، كان لها فضل كبير على كل هذا الانعطاف صوب الضوء. وقد يكون في كتابته بعض من شد على يد، أو «يعطيكم العافية» لمن لم يطلب أو ينتظر. وحتى ذاك، تمر المآزق، ويكتشف الناس أن البوصلة كانت صحيحة.
حتى ثوانيه الأخيرة، ظل جوزف سماحة يتندّر بقصة مالكي وسائل الإعلام، الذين كلما واجهتهم «حقيقة غير صالحة للنشر»، تساءلوا متنصلين: هل نقاربها مهنياً أم قومياً؟ هذا ما لم تفعله على ما يبدو «الأخبار». وهذا ما أشكل على بعض «المقاربين» من كلا طرفي «المهنية» أو «القومية».