إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

رفع الغطاء عن المخالفين أم عن الدولة ومؤسساتها؟ - فؤاد ابو زيد (الديار)

من يسمع بعض النواب والسياسيين يتكلم عن استباحة الاملاك العامة والخاصة والمشاعات، ويكاد ينفجر وهو يدين ويستنكر ويندد، ويرفع الغطاء السميك والثقيل عن المعتدين، يظن ان هؤلاء قد مسّهم الروح القدس، فتحولوا الى قديسين ينضح منهم زيت القداسة بالقنطار، وبات على القوى الامنية ان تستغل هذه الفرصة الذهبية المقدّسة، وتشنّ حملة قمع لاعادة ما للدولة الى الدولة وما للناس الى الناس، فتهدم الابنية المخالفة، وتسوق المخالفين الى القضاء ليدفعوا الى المجتمع ثمن ما اساؤوا اليه، فيعيدوا بذلك الى الدولة بعضاً من هيبتها التي فقدتها بتواطؤ من هؤلاء النواب والسياسيين على مرّ عقود من الزمن، فيتحمّس الوزير الآدمي زياد بارود ويعطي اوامره باقتلاع هذه الآفة التي حوّلت جزءاً كبيراً من لبنان الى «تابوات» ومحرّمات، ممنوع على الدولة دخولها الاّ اذا اخذت ضوءاً أخضر من الابواب العالية، وكم كانت مفاجأة الوزير بارود ومعظم اللبنانيين كبيرة، عندما رأى ان كل ورشة تحوّلت الى متراس يحميه اطفال ورضّع ونساء يقاومون تطبيق القانون بتحريض من قبضايات يحملون ليس السلاح وحسب، بل هويّاتهم الحزبية و«قبّة الباط» التي تعطيهم الحق في المخالفة والاعتداء على الناس والدولة ورجال الامن حتى ولو كانوا عناصر من الجيش الذي هو ثالوث قوّة لبنان على ما يزعم البيان الوزاري، فتتأكد عندها للجميع صحّة المثل القائل: «اسمع كلامك يعجبني، وشوف افعالك اتعجّب»، او «كلام الليل يمحوه النهار»، ويمحو معه ما خيّل للناس انه قداسة.
* * * * *
في المبدأ، ان الحرب قد انتهت، وانتهى معها عصر الفوضى عندها تحوّل اتفاق الطائف الى دستور، وانتخب رئيس للجمهورية، وحلّت الميليشيات، واجريت الانتخابات، وشكّلت الحكومات، لكن ما كشفه عدد من الوزراء والنواب في الاعلام، من ان الاعتداءات على الاملاك العامة والخاصة والمشاعات التي سجلت في السنوات الماضية، والتي استفحلت في الاشهر الاولى من هذه السنة قد بلغ عددها عدة آلاف، وهي تتجاوز بكثير مما سجّل اثناء فترة الحرب، يثبت بأن الحرب ما تزال مستمرة وبصورة ابشع، علما ان النسبة الاكبر من هذه الاعتداءات موجودة في اقضية محددة وان عدد الاعتداءات على قوى الامن الداخلي والجيش التي حاولت قمع هذه الاعتداءات وفشلت، يساوي عدد الاعتداءات على الاملاك العامة والخاصة، وان مزاعم رفع الغطاء السياسي عن المعتدين، كانت فقط لذرّ الرماد في العيون، لأن بعض الاعلام المعني بالذين رجموا عناصر الجيش بالحجارة، واعتدوا على البعض بالضرب، واطلقوا الرصاص عليهم، اعتبر ان الذين قتلوا عندما دافع الجيش عن ارواح جنوده - وجميع اللبنانيين يتمنّون لو لم يقتلوا - هم «شهداء مظلومون ابرياء»، وهم في ذلك يرفعون الغطاء السياسي عن الجيش والقوى الامنية، وليس عن المخالفين والمعتدين.
ان استسهال اقامة ابنية غير شرعية وغير قانونية وغير خاضعة للمواصفات الهندسية، وخصوصاً على حدود مرفق حيوي مثل مطار رفيق الحريري الدولي، هو جريمة موصوفة تطال نتائجها الكارثية مئات الوف اللبنانيين وغير اللبنانيين، وفي مقدمهم عائلات هؤلاء المخالفين، كما ان استسهال البعض الاستيلاء على اراض خاصة ووضع اليد عليها، ومنع اصحابها حتى من الوصول اليها، عمل شاذ ومرفوض ويتنافى مع الدستور والقانون ومبدأ حماية الملكية الخاصة، وهو فصل من فصول الاستهتار بالدولة وبهيبتها وبحقها في ان تكون الراعية الاولى والاخيرة للناس ولممتلكاتهم، وقد حان الوقت امام جميع الاحزاب والقيادات والمسؤولين، في الحكم، او في خارج الحكم، ان يخرجوا من جلدهم القديم، جلد المكابرة والاستعلاء واعتبار انفسهم انهم انصاف آلهة، واغتنام هذه الفرصة، فرصة فتح ملف الاستيلاء على الاملاك العامة والخاصة بالقوة، لاعادة الاعتبار الى الدولة بعد طول تهشيم، وتقزيم، وتجويف، واضعاف، وذلك يكون باعادة الهيبة الى قوة القانون والقضاء والامن والجيش، وترك هذه المؤسسات تقوم بعملها على قاعدة «ظلم في السويّة عدل في الرعيّة»، وليس على القاعدة المتبعة اليوم في «تظليط» الدولة «.. وعلى ثيابي اقترعوا».
ان المشاكل التي يواجهها لبنان اليوم صعبة ومعقدة وخطيرة، وقد تطيح بكل شيء، ان لم يسارع الجميع الى وضع «بيضة في سلّة الدولة» بعيداً من المطالب والشروط والحقوق والمماحكات التي قد تصحّ في ايام سعد الاوطان، اما في هذه الايام، والاسوأ هو الطاغي، فلا حكومة المواجهة تصلح، ولا حكومة اللون الواحد هي الحلّ، ولا الترقيع والمحاصصة والتهم الى السلطة تؤدي الى الخلاص، وقد يكون الطرح الذي يدعو اليه الرئيس امين الجميّل بتشكيل حكومة انقاذ وطني هو باب الخلاص الوحيد المتاح في ثورة البراكين العربية، وانحلال الداخل.

← العودة إلى مختارات