الانتفاضات الشعبية وديبلوماسية التخويف - محمد السمّاك (المستقبل)
وجّه الرئيس الليبي معمر القذافي تهديدين الى أوروبا. قال في التهديد الأول انه إذا سقط نظامه فان البديل سيكون تنظيم القاعدة. وان هذا التنظيم سوف يجعل من ليبيا مسرحاً لعمليات ارهابية تستهدف المصالح الغربية النفطية داخل ليبيا ذاتها، وانه سوف يجعل منها أيضاً منطلقاً لضرب الأمن الأوروبي في عقر داره.
وفي التهديد الثاني قال الرئيس القذافي ان سقوط نظامه سوف يحوّل ليبيا الى جسر عبور للمهاجرين الأفارقة الى أوروبا. وان ذلك سوف يغرق دول الاتحاد الأوروبي بعشرات الآلاف من المهاجرين غير المرغوب فيهم.
إذا كانت تهديدات القذافي صحيحة، فان لها وجهاً آخر من المعاني. بالنسبة للتهديد الأول فانه يوحي بأن النظام الليبي يقوم بدور الحارس للمصالح النفطية الأوروبية في ليبيا. وانه يشكل في الوقت ذاته الخندق الأمامي في وجه تنظيم القاعدة، للدفاع عن الأمن الأوروبي بل وحتى لاسرائيل كما صرح بذلك للتلفزيون التركي. وهذا ما يفسر قول الرئيس الليبي انه اذا سقط نظامه، سقط الأمن النفطي. . وتعرّض الأمن الأوروبي والاسرائيلي للخطر.
وبالنسبة للتهديد الثاني فانه يوحي بأن النظام الليبي يلعب دور الشرطي الأمامي لصد موجات الهجرات الافريقية الى أوروبا. وانه بالتالي يحوّل ليبيا الى معسكر اعتقال كبير للأفارقة الذين يتطلعون الى الهجرة الى أوروبا والذين يحاولون استغلال الموقع الجغرافي الليبي الملائم للتسلل الى أقرب مرفأ أوروبي على الشواطئ الإيطالية. علماً أن القذافي أعلن نفسه "ملك ملوك افريقيا".!!
والواقع ان الرئيس الليبي ليس نسيج وحده في ذلك، "فديبلوماسية التخويف" كانت الأساس الذي اعتمدت عليه أنظمة اوتوقراطية عربية عديدة للدفاع عن استمرارها بدعم وتشجيع من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي معاً، على مدى العقود الستة الماضية.
وقد اعتمد هذه الديبلوماسية الرئيس المصري السابق حسني مبارك عندما استطاع أن يجعل من حركة الاخوان المسلمين "بعبعاً" يخيف به الغرب. واستطاع أن يصنع واقعاً افتراضياً يقول ان البديل من نظامه الملتزم بمعاهدة السلام مع اسرائيل، والمتصدي للانفلاش المذهبي الايراني في الشرق الأوسط، والداعم لأصدقاء الغرب في المنطقة، والمحافظ على مصالحه النفطية والتجارية، أن البديل من هذا النظام الذي يؤدي كل هذه المهام الستراتيجية، هو نظام على شاكلة ما هو موجود في ايران، يكون الإخوان المسلمون قوامه وأساسه.
وخوفاً من هذا الكابوس ـ البديل ـ تجاهل الغرب القيم الانسانية التي تحفل بها قوانينه ومعاهداته المشتركة، وتنكر للمبادئ التي يدعي انها تحكم علاقاته الخارجية وفي مقدمها الدفاع عن الديموقراطية وعن الحريات العامة والكرامة الانسانية.
وقد اعتمدت ديبلوماسية التخويف من "البعبع" الاسلامي في الجزائر ايضاً (حركة الأفغان العرب) ، وذلك منذ التسعينات. كما اعتمدت في سوريا كذلك منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي (تمرد حماة). واعتمدت أيضاً في تونس أقرب دول المغرب العربي الى فرنسا. ورغم كل الشعارات الانسانية التي تعتبر فرنسا انها مؤتمنة عليها منذ الثورة في عام 1789 فقد كانت دائماً تدافع عن نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي حتى انها عرضت عليه المساعدة العسكرية لكبح جماح الانتفاضة في أيامها الأولى. وكانت وزيرة خارجيتها تقضي اجازتها الخاصة في تونس بضيافة أحد اقرباء الرئيس التونسي السابق خلال الانتفاضة الشعبية التي أطاحته. وقد اعتبر سلوكها فضيحة ديبلوماسية اضطرت على اثرها الى الاستقالة من منصبها، ليحلّ محلها الوزير المخضرم الن جوبيه.
وقدمت نتائج الانتخابات الفلسطينية التي فازت فيها حركة حماس في غزة دليلاً مقلقاً للغرب على ما يعنيه فعلاً وصول حركة اسلامية متطرفة الى السلطة في الدولة العربية، غير ان الوقائع تناقضت مع هذه الحسابات.
فإسقاط الرئيس مبارك في مصر لم يعبد الطريق أمام حركة الأخوان المسلمين. وإسقاط الرئيس بن علي في تونس لم يفتح أبواب قصر قرطاج أمام حزب النهضة الاسلامي التونسي.
ثم ان ما هو معروف ومتداول على نطاق واسع ان لتنظيم القاعدة خلايا عاملة في اليمن. وان الرئيس علي عبد الله صالح كان يخوض معارك ضدها بمساعدة عسكرية ولوجستية من الولايات المتحدة. ولكن ليس معروفاً ولم يكن في التداول السياسي أو حتى الإعلامي وجود خلايا للقاعدة في ليبيا.
يعرف الرئيس معمر القذافي جيداً قصة الرئيس العراقي السابق صدام حسين مع الولايات المتحدة ومع تنظيم القاعدة. فقد اتهمته إدارة الرئيس جورج بوش بأنه يملك أسلحة دمار شامل. واتهمته بإقامة علاقات تعاون وثيقة مع تنظيم القاعدة. وخرجت من ذلك بمعادلة تدّعي أن هذه العلاقات تشكل جسراً طبيعياً لانتقال أسلحة الدمار الشامل الى عناصر القاعدة، الأمر الذي يهدد أمن الولايات المتحدة وحلفائها. كانت تلك الكذبة الكبرى، الأساس الذي اعتمدته الولايات المتحدة وبريطانيا لاجتياح العراق. والآن يحاول الرئيس القذافي إعادة إنتاجها لتوظيفها باتجاه آخر. أي باتجاه تحريض الغرب (أميركا وأوروبا) لدعمه في وجه تنظيم القاعدة الذي يدّعي انه المسؤول عن الثورة التي تفجرت في بلاده.. والتي يهدد بأنها سوف تحمل الى الشاطئ الشمالي من المتوسط الموت والدمار والخراب؟!.
وبذلك يكون الرئيس القذافي قد شهر ثلاثة مسدسات في وجه الغرب مهدداً بإطلاق النار منها، إذا تعاون الغرب مع الثائرين عليه. المسدس الأول هو النفط. والمسدس الثاني هو الهجرة الافريقية. أما المسدس الثالث والأشد فعالية فهو تنظيم القاعدة.
في الأيام الأولى من الانتفاضة الليبية بدا وكأن الغرب واقع تحت رحمة التهديد بالتعرض لإطلاق نار من واحد من هذه الأسلحة، أو منها جميعاً. كان مهتماً بضمان استمرار تدفق النفط الليبي، وبضمان سد الطريق أمام الهجرات غير الشرعية وبضمان ضرب القوى الاسلامية المحلية. ولذلك كانت حركة تعاطفه مع الانتفاضة بطيئة وخجولة. . ولكنه في المرحلة التالية من الانتفاضة أدرك أن هذه الأسلحة وهمية وأنها مجرد أدوات تخويف. مما أعطى حركة التعاطف زخماً تمثل في التهديدات التي أطلقها الرئيس الأميركي باراك أوباما، كما تمثل في خطط الاتحاد الأوروبي لتنفيذ حظر جوي على ليبيا بعد استخراج قرار بذلك من مجلس الأمن الدولي، وذلك بهدف وقف قصف الطيران العسكري الليبي للمدن المتمردة على نظام الرئيس القذافي.
من هنا السؤال: هل توقف الغرب عن الاعتقاد بأن حركات التطرف الاسلامي هي البديل الوحيد للأنظمة الأوتوقراطية؟. وهل تحرر من الخوف من قدرة هذه الحركات على السيطرة المطلقة على أنظمة الحكم؟. وهل علمته تجارب الانتفاضات (من المغرب على المحيط الأطلسي الى سلطنة عمان على بحر العرب مروراً بالجزائر وتونس وليبيا ومصر والأردن والعراق والبحرين واليمن) وجوب احترام المبادئ والقيم التي ينادي بها والتي تزخر بها أنظمته وقوانينه ومواثيقه الدولية؟. وهل أدرك أخيراً ـ أو متأخراً ـ ان المحافظة على المصالح الدولية لا تعني بالضرورة التنكر للقيم الانسانية؟.