إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

ميقاتي والتعهد الأخطر - اسعد بشارة (الجمهورية)

لن يكون الرئيس نجيب ميقاتي في موقع يحسد عليه بعد 13 آذار، فالمهمة التي تنتظره بما أعلن منها وما لم يعلن بجداولها وأجنداتها الموضوعة للتطبيق الفوري أو المؤجلة، انتظارا للتوقيت المناسب، أصبحت أقرب إلى أن تكون عنوان أحد الأفلام الغربية الشهيرة: "مهمة مستحيلة". وفي الواقع، فإنّ العماد عون ليس الوحيد مَن سبّب ويسبّب الصداع للرئيس المكلّف، الذي نقل عنه أحد الظرفاء أنه يكاد يذهب بعد كل لقاء مع العماد عون أو الوزير جبران باسيل إلى الطبيب بهدف فحص ضغط الدم، في إشارة إلى صعوبة التفاهم مع عون الذي يبقى على ما نقل عن الرئيس المكلف أكثر اعتدالا ومرونة من باسيل، وربما هذا يعود لتبادل الأدوار في التفاوض. فما سيسبب الصداع في مهمة ميقاتي شبه المستحيلة، هو الأجندة التي التزمها أمام "حزب الله"، والتي سيثبت مسار التكليف والتشكيل مدى قدرتها على العبور في حقول الألغام. وفي الوقائع، وكما تكشف أوساط عليمة في قوى 8 آذار، أن الجلسات التمهيدية التي جمعت "حزب الله" بميقاتي، والتي أنتجت اتفاقا على قبوله التكليف، أثمرت التزامين من ميقاتي أمام الحزب: أولهما بديهي ومطاط التفسير، وهو المتعلق بحماية المقاومة، وثانيهما التزام مهم جدا قد يكون مدخلا إلى متفرعات تصل إلى المحكمة الدولية مباشرة وإلى تنفيذ انقلاب "مؤسساتي" داخل قوى الأمن الداخلي. والمقصود بهذا الالتزام صدور قرار عن حكومة ميقاتي بإحالة قضية الشهود الزور إلى المجلس العدلي. وإذ تقر أوساط 8 آذار بأنّ ميقاتي لم يلتزم أي تعهد مباشر في موضوع المحكمة، فإنها تشير إلى أن التزامه في قضية الشهود الزور التي رفضها سعد الحريري، ستؤدي عمليا إلى النتائج الآتية وفقا لما يخطط له "حزب الله": 1 – بدء المجلس العدلي دراسة هذه القضية، وهو ما سيعنى وضع اللواء أشرف ريفي والعقيد وسام الحسن بالتصرف إلى حين انتهاء النظر في القضية، وهو ما سيسمح بتعيين مدير عام جديد لقوى الأمن الداخلي وبتشكيل الحسن إلى قطعة أخرى وبملء الشواغر في مجلس قيادة قوى الأمن، وخصوصا في موقع قيادة الدرك، الذي سيكون من حصة رئيس الجمهورية (يتم التداول بضابط من آل نجيم) وإعطاء ميقاتي حق تسمية مدير عام قوى الأمن. 2 – العمل بالتوجه نفسه ضد مدّعي عام التمييز سعيد ميرزا، ذلك انطلاقا من الحملة التي شنّت عليه لارتباط مزعوم بقضية الشهود الزور، وهو ما يعني العمل على تنحيته من منصبه في أثناء نظر المجلس العدلي في القضية. 3 – ممارسة الضغوط لاستدعاء فريق الرئيس الحريري أو الحريري نفسه للتحقيق معهم، وهنا تشمل اللائحة إعلاميين وسياسيين وأمنيين. وربما لا تتوقف عند ذلك لتصل إلى حد شن هجوم مباشر على الحريري وأفراد عائلته واتهامهم بأنهم زوّروا التحقيق الدولي ولقنوا الشهود الزور إفادات كاذبة. 4 – هذه النتائج مجتمعة ستخدم، في نظر "حزب الله"، الهدف الأول من إحالة موضوع الشهود الزور إلى المجلس العدلي، وهو المتمثل بالتأثير في سير عمل المحكمة الدولية ومحاولة إعادة ملف اغتيال الحريري إلى القضاء اللبناني وتوجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأنّ لبنان لا يعترف بعمل هذه المحكمة، لأنه كلف اجهزته القضائية القيام بمهمة لم تتعارض وصلاحيات هذه المحكمة. ويبقى السؤال: هل يجرؤ الرئيس ميقاتي، إذا نجح في تشكيل حكومته، على أن يبدأ بتنفيذ هذا الالتزام الذي يشبه القنبلة الموقوتة التي يمكن أن تنفجر بين يديه في بداية الرحلة الصعبة؟ الأرجح أنّ ميقاتي بات يدرك أكثر من اي وقت مضى، خطورة ما سينتج من إحالة ما يسمّى ملف الشهود الزور إلى المجلس العدلي، وهو يدرك أن "حزب الله" لن يتراجع عن هذا الملف الذي يصلح في نظره ليكون مدخلا إلى تفكيك المنظومة الأمنية والقضائية التي عملت إبان تولي 14 آذار السلطة، تماما كما يصلح لأن يكون الوسيلة الوحيدة لمحاصرة المحكمة الدولية بحملة من الغبار الكثيف. والأرجح أيضا أن ميقاتي لن يتفلت من التزاماته، لأن ذلك سيعني التنحي والاعتذار عن التشكيل وتكبّد انتكاسة سياسية تقارب الهزيمة. فهل سيكون خيار ميقاتي تنفيذ ما تعهده بالتقسيط وبطريقة ناعمة لا تستثير النقمة؟ الواقع يقول إن قيام أية شخصية سنية بتولي رئاسة حكومة تتولى تفكيك فرع المعلومات وإقصاء ريفي والحسن وميرزا، وتحويل الحريري وفريقه إلى القضاء، وتمهيد الطريق امام "حزب الله" للتشويش على المحكمة الدولية، كل ذلك في فترة قياسية لم تتعدَّ الشهرين، تم فيها اسقاط حكومة الحريري بقوّة القمصان السود، الواقع يقول إن هذه الشخصية، سواء كانت ميقاتي او اي اسم لامع أو باهت اختير لتأدية مهمة كهذه، ستقع في مأزق وجودي قاتل سياسيا، والرئيس ميقاتي القارئ المجرب أصبح في إمكانه جيدا ان يدرك أن جمهور 14 آذار لن يكون متسامحا سياسيا مع مَن يتطوع لتولي رئاسة حكومة "حزب الله" المنوط بها تنفيذ الانقلاب الشامل. ويبقى الحشد في ساحة الشهداء أبلغ من كل كلام.A279;

← العودة إلى مختارات