رفوفي المصرية - جهاد الزين (النهار)
أنا من الناس الذين تشكّل غرفة مكتبتهم، وهي مكتبة في غرفة وغرفة في مكتبة، عالماً بديلاً... لا بالمعنى الثقافي، بل النفسي أيضاً واكاد اقول، الحياتي. فيها، على ضيق مساحة الغرفة، اجدني يومياً اقضي وقتاً هو اكثر من مجرد وقت للقراءة، وانما هو في العمق حياة بديلة... لا يؤدي هذا فقط الى الاعتراف بأن معظم الفترات اليومية التي أتواجد فيها داخل مكتبتي ليست للقراءة! بل للتأمل، حيناً، للتواصل الهاتفي حيناً آخر، لمشاهدة التلفزيون حيناً ثالثاً، للقراءة على الانترنت حيناً رابعا، وللاستقبال حيناً خامساً.
غير انني كأي صاحب مكتبة بيتية هي مزيج متواضع وثمين من الوراثة والعصامية، امارس متعة رائعة واتعرض ايضاً لعذاب ذاتي... كلاهما صار جزءاً من تقاليدي: اما المتعة فهي النظر، وبين الوقت والآخر لمس هذا الكتاب او ذاك مع ما يؤدي اليه من "لذة جسدية صرف" (التعبير لسمير خلف في مقدمته الطويلة لكتابه: Cultural Resistance). عديدون – ومحظوظون – في العالم من تلك الكثرة – القليلة الذين يعرفون هذا النوع من الملذات.
اما العذاب الذاتي، فهو اضطراري التلقائي الى تقييم مستوى ثقافتي عندما انظر "بانورامياً" الى كل ما املك من كتب... اي الى ما انا عليه معرفياً... فيتجدد عندي وعي شقي بحجم ما هو غير موجود على الرفوف، اي بحجم ما اجهل... حتى في المجالات التي ادّعي دأباً يومياً على متابعتها... وهذا ما يفضي بي الى اضطهاد ذاتي.
غير انه داخل هذا التقليد، عنصر ايجابي بل بناء(!). فالنظرة البانورامية الى الرفوف، تسمح اساساً بتقييم او بمحاولة تقييم تلقائية لظواهر وموجات وايديولوجيات وشخصيات تملأ الرفوف.
اكتب كل ما سبق لأصل الى النقطة التالية:
في السنوات الاخيرة او في العقد الاخير كنت أسأل نفسي دائما ما اذا كان يجب ان تبقى "الرفوف المصرية" اي الرفوف التي اضع فوقها كتب النتاجات المصرية الكلاسيكية والجديدة... في مكانها المتصدر لبعض واجهات مكتبتي! كنت بدأت اطرح اسئلة حول مدى ما بقي من اهمية للثقافة المصرية، السياسية الفكرية والفنية والاعلامية والاقتصادية... في حياتنا العربية. كان السؤال يشمل كل الاسماء الموروثة – اي التي نشأ والد جدي وجدي ووالدي على قراءتها – كما الاسماء التي ضممتها انا رفوفاً جديدة الى المكتبة. لقد بدا مع رتابة الاوضاع المصرية – وانشدادي الشخصي ولو القلق – الى نماذج اخرى غربية وشرق اوسطية مختلفة، انه عليّ، كما يفعل اي صاحب مكتبة بيتية، ان اعيد ترتيب الرفوف فأنقل الكثير من النتاجات المصرية الى مواقع "خلفية"! تخيل ان يصل بك "اليأس" ان تسأل عن جدوى عشرات الاسماء حتى تلك التي لم تتجاوزها الى اليوم اية اسماء عربية في معالجة معضلات الدين والمجتمع والسياسة والحداثة كطه حسين وتوفيق الحكيم والشيخ محمد عبده والشيخ علي عبد الرازق ولطفي السيد وقاسم أمين؟ وتنقل نظرك الى رفوف اخرى حيث نجيب محفوظ ويوسف ادريس وجمال الغيطاني ورضوى عاشور، كذلك محمد حسنين هيكل ومحمد التابعي وزميلهما الأسبق "الصحافي" رفاعة الطهطاوي ... وحسين هيكل ولويس عوض وانور عبد الملك وسيد قطب وحسن البنا وجمال البنا وطارق البشري ناهيك عن بعض امتع كتب المذكرات والتحقيقات حول عبد الوهاب وام كلثوم واسمهان والملك فاروق وعبد الناصر والسادات وبطرس غالي وسعد زغلول.... ووو... وبعض مجموعات مجلات "المقتطف" و"الرسالة"... و"الهلال"... ودواوين أحبائي الشعراء أحمد شوقي وحافظ ابرهيم وصالح جودت وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل وأحمد عبد المعطي حجازي ومحمد عفيفي مطر وعبد الرحمن الابنودي... ثم ماذا عن العديد من الدراسات الاقتصادية والسياسية المعاصرة ومنها نتاجات لملفات صادرة عن "مركز الدراسات الاستراتيجية في الأهرام". وبعضها ريادي في مجال العلوم السياسية كما لمساهمات كتّاب وصحافيين لي بينهم أصدقاء مخضرمون؟
كان السؤال الفعلي الذي تذكرني به الرفوف المصرية بل تطرحه عليّ (وأطرحه على زوجتي رغداء التي تدرّس بعض هذه المادة في الجامعة) في السنوات الماضية: الى أي حد تضاءلت قيمة الثقافة المصرية وهل فقدت رياديتها التي عاشت – وقادت – طويلاً من أواخر القرن التاسع عشر الى ما بعد منتصف القرن العشرين؟ هل بهتت مؤقتاً أم تخطاها الزمن العالمي في المنطقة وفي الخارج؟
... وجاءت أيام ما بعد 25 كانون الثاني 2011.
شيء ما مزاجي... بدا يتغير في علاقتي مع الرفوف المصرية. فمن يوم الى آخر صار يزداد عندي الشعور بأنني أملك كتباً ثمينة جداً... لم يشمل هذا الشعور فقط الكتب الكلاسيكية الكبيرة لـ"عصر النهضة العربية"، ولكن ايضاً الرفوف التي عليها نتاجات صحافيين وفنانين وعلماء اجتماع وتاريخ وسياسة، وبعضها صادر في العقد المنصرم.
فجأة صار كل شيء مصري جذاباً على رفوف مكتبتي. بل بات يتطلب مني اعادة قراءة من أصغر الكتيبات الى أكبرها... صار كل شيء مكتوب عن مصر في واشنطن وموسكو وباريس ولندن ووو... جذاباً وضرورياً.
انها مصر... العائدة... والمتأكد أنا انها عادت... أياً يكن شكل العودة لنظام جديد مستقر أو غير مستقر فترة طويلة؟
وإذ استمتع حالياً بوجود رفوفي المصرية، أشعر ايضاً ان هذه العودة
ليست قادمة من الماضي... بل من المستقبل. وهذا حديث خارج غرفتي الصغيرة.
فتحياتي وتقديري الى النخب المصرية... أجداداً وآباء وأحفاداً وأجنّة لم تولد بعد.