نصف عهد أوباما في الشرق الأوسط: خيبات أكثر من الإنجازات - ديفيد شانكر (الحياة)
تسلّم باراك أوباما مهماته الرئاسية عام 2008، وطرح أجندة سياسية طموحة لمنطقة الشرق الأوسط. وأدرج السيناتور أوباما سلسلة تعهدات على رأس حملته الانتخابية، فتعهّد النضال من أجل السلام الإسرائيلي – الفلسطيني، وإعادة إرساء علاقة ديبلوماسية مع كلّ من طهران ودمشق. وبالنظر إلى هذه الخطط الكبيرة، لا عجب ربما أن تبدو السياسة التي اعتمدتها إدارة أوباما حيال الشرق الأوسط خلال السنتين الأوليين من عهده، مخيّبة للآمال إذ لم تحقّق أيّ إنجاز يذكر. هذا ما حصل في دول المشرق خصوصاً، أي في سورية ولبنان وفلسطين وإسرائيل، حيث تُركّز الإدارة جهودها الإقليمية.
وشكّلت عملية تحقيق السلام الإسرائيلي - الفلسطيني العقبة الإقليمية الأكبر التي واجهت الإدارة. وبصرف النظر عن رأي المرء بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، لا يسعنا إلا أن نقرّ بأنّ مقاربة الرئيس أوباما أدت إلى نتائج عكسية. وساهم سوء معالجة الإدارة للملف في توقف المفاوضات المباشرة الإسرائيلية – الفلسطينية، بعد أكثر من خمس عشرة سنة على انطلاقتها، الأمر الذي تسبّب في إضاعة سنة ونصف سنة.
ولم تكن المبادرات الأخرى التي أطلقتها الإدارة في دول المشرق، على قدر التوقعات، وأدى ابتعاد الرئيس أوباما بالكامل عن سياسة سلفه، لا سيما قراره بتجديد الحوار الديبلوماسي مع إيران وسورية، إلى خيبة أمل حقيقية كانت متوقعة. وعلى رغم أنّ أوباما أقدم على خطوة تعتبر سابقة، وعلى رغم حسن النية، إذ قضت بإعطاء شرعية للنظام الديني في إيران، من خلال استخدام عبارة «الجمهورية الإسلامية»، أخفقت النقاشات التي أُجريت مع طهران في شأن نشاطاتها النووية غير الشرعية، وتحوّلت إلى عقوبات. وفيما تبدو هذه الإجراءات فعالة وذات تأثير فهي للأسف جاءت متأخرة.
ولم تؤتِ الجهود التي تبذلها الإدارة حالياً في سبيل التقرب الى سورية، ثمارها. وعلى رغم المبادرة الحسنة النية التي أطلقتها واشنطن، ووافقت بموجبها على بيع سورية قطع غيار أميركية الصنع لطائرات من طراز «بوينغ 747»، وعلى رغم الدعوة التي وجهها الرئيس بشار الأسد في تموز (يوليو) 2009 إلى الرئيس أوباما لزيارة سورية، لا تزال العلاقات الثنائية متوترة، بسبب حرص دمشق الدائم على إهانة واشنطن وحلفائها وتقويضهم. وعزّزت سورية سلوكها المتهوّر والمخلّ بالاستقرار في وجه التملّق.
فمنذ سنة مثلاً، بعدما حاولت واشنطن إعادة إرساء تعاون أمني على الحدود بين سورية والعراق، أدت السيارات المفخخة التي عبرت الحدود بعد أن حصلت على «موافقة سورية» كما قال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، إلى مقتل حوالى مئة شخص في بغداد. ومن ثمّ، في آذار (مارس) 2009، أي بعد أسابيع قليلة على تعيين الإدارة الأميركية أوّل سفير لها في دمشق منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005، استقبل الرئيس الأسد الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وزعيم «حزب الله» حسن نصر الله، وسخر علناً من وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون. واعتُبِر العشاء في دمشق بمثابة ردّ على تعيين سفير أميركي جديد.
وعبّر مسؤولون في الإدارة أخيراً، عن خشيتهم من أن تكون سورية أرسلت صواريخ «سكود» أو «فتح 110» إلى «حزب الله» في لبنان. كما يُقال إن نظام الأسد زوّد هذه الميليشيا الشيعية أسلحة أكثر تطوّراً. ولا تزال إدارة أوباما التي لم تنجح في ردع دمشق، تتودد اليها محاولةً التوسط في مفاوضات السلام السورية – الإسرائيلية، إلى جانب السعي إلى فصل سورية عن حليفها الإيراني الإستراتيجي منذ ثلاثين سنة.
الإدارة التي لم تصدر بيانات لتعبّر عن استيائها من دمشق، أو لتلومها بسبب تسهيل حركة مرور المتمردين إلى العراق، واصلت جهودها الرامية إلى سحب سورية خارج المدار الإيراني، علماً أنّ هذه الخطوة أكّدت موقف الرئيس الأسد القائل بأنه «لا يمكن حلّ أي مشكلة في الشرق الأوسط من دون الاستعانة بسورية». وساهم ذلك في تعزيز الائتلاف المعادي للغرب، في دمشق وطهران وفي صفوف «حزب الله»، الأمر الذي قوّض مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
وكان لبنان بين الضحايا الأساسيين. فخلال السنتين الماضيتين، واجه أصدقاء واشنطن في بيروت عوائق كبيرة. وعلى رغم فوزها في الانتخابات النيابية عام 2009، يبدو أنّ قوى الرابع عشر من آذار الموالية للغرب، التي أطلقت ثورة الأرز، تقع تحت رحمة «حزب الله» وإيران وسورية. والواقع أن هذه العملية بدأت خلال عهد إدارة بوش، حين فشلت واشنطن في الردّ على اجتياح «حزب الله» لمدينة بيروت عام 2008. إلا أنّ ضعف قوى الرابع عشر من آذار ازداد خلال السنتين الماضيتين.
ولا شك في أنّ تراجعها يعزى إلى إمكان أن تكون إدارة أوباما أقل التزاماً من الإدارة السابقة حيال حلفائها الديموقراطيين في المنطقة. وربما بذلت واشنطن جهوداً أكبر لطمأنة أصدقائها اللبنانيين الى أن تعاطيها مع سورية لن يكون على حساب لبنان كما حصل عام 1991. وبعد تعاون واشنطن الوثيق مع الرياض حول ملف لبنان والذي شكّل دعماً لقوى الرابع عشر من آذار، جاءت التهدئة في العلاقات السعودية - السورية.
واليوم، فيما لا تزال إدارة أوباما تعبّر عن دعمها لقوى الرابع عشر من آذار، إذ أطلق مثلاً نائب الرئيس الأميركي جوزيف بايدن تصريحاً مهمّاً في بيروت قبل انتخابات عام 2009، يبدو كأبرز مؤشر الى استمرار السياسة الأميركية تجاه لبنان، الدعم المالي الذي تحصل عليه القوات المسلحة اللبنانية التي بدت أكثر عناداً، لا سيما بعد مقتل جندي إسرائيلي بنيران قناص لبناني عبر الحدود، الصيف الماضي. ولا تزال الإدارة تدعم كلامياً ومادياً المحكمة الخاصة بلبنان، التي تحقّق في قضية اغتيال رفيق الحريري، ولكن ليس واضحاً ما الذي ستفعله واشنطن لدعم الحكومة المنتخبة ديموقراطياً في لبنان، في حال لجأ «حزب الله» إلى استخدام العنف للردّ على القرار الاتهامي للمحكمة.
وبعد مضي سنتين، تشير تجربة الإدارة في دول المشرق إلى ضرورة تغيير التوقعات، واعتماد نظرة أكثر واقعية للاحتمالات الممكنة. وثمة مقولة مفادها أنّ الزواج الثاني بعد الطلاق، هو انتصار الأمل على التجربة. فلنأمل بأن يحقّق الرئيس أوباما خلال السنتين المقبلتين انتصار التجربة على الأمل بالنسبة إلى واشنطن والشرق الأوسط.
ديفيد شانكر
جريدة الحياة