إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

المحكمة وفرضياتها - ساطع نورالدين (السفير)

فجأة احتدم النقاش باللغة البوسنية بين رفيق هودزيتش وبين نزارا احمد اصفتش على مسمع الوفد اللبناني المشارك في المنتدى الإعلامي حول العدالة الدولية في لاهاي الأسبوع الماضي، ولم تنفع محاولات إقناعهما بالتحدث باللغة الانكليزية، فاستمرا في تبادل حاد لوجهات النظر حول مواضيع تبين في ما بعد انها تدور حول المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة التي لا تزال جلساتها مستمرة منذ نحو عشر سنوات وهي تحاكم بشكل خاص مجرمي الحرب وترسلهم الى سجون أوروبية خاصة تسدل الستار على مجازر هذه الحرب وفظائعها لكنها لا تؤسس لمصالحة بين الدول ـ الطوائف الخمس او الست التي انبثقت عن تلك الدولة البلقانية الكبرى.
كان رفيق ناجيا ثم تحول الى شاهد فإلى ناشط من اجل العدالة الدولية، يعمل اليوم مستشارا لدى مكتب التواصل التابع للمحكمة الخاصة بلبنان. وكانت نزارا جريحة ثم تحولت الى صحافية متخصصة في كشف المقابر الجماعية، فإلى باحثة تعد رسالة دكتوراه في سويسرا حول التجربة اليوغوسلافية. ولم يكن حضورهما الدائم مع الوفد اللبناني طوال ايام المنتدى الثلاثة يحتاج الى تفسير او الى دليل. لكن نقاشهما الحاد الذي جاء في اعقاب الجلسة الختامية، والذي انتهى كما يبدو من تعابير وجهيهما وحركات يديهما الى خلاف بينهما، ما زال لغزا مشوقا.
كيف يمكن ان يختلف ذلك الرجل البوسني الذي جاهد من اجل اقناع الوفد اللبناني بضرورة الاستفادة من المحكمة الخاصة بلبنان الى الحد الاقصى لانها محكمته وخلاصه، مع تلك الفتاة التي تقاسمه القومية والهوية والدين وتشاركه النظرة والوعي والتقدير لاهمية المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة في انهاء حرب البلقان، بعد مخاض دموي عسير، وكيف يمكن ان يقتنع اللبنانيون بتسلم الهدية المتفجرة التي يعرضانها عليهم، والاهم من ذلك كيف يمكن ان يتوصل اللبنانيون الى الاستنتاج أن محكمتهم هي قارب نجاتهم وليس غرقهم، وإلى التوقف عن ذلك الصراع الاهلي، الذي شهد المنتدى بعض نماذجه السيئة الذكر، والذي يعدهم بأسوأ من الوعد الذي تلقاه ضحايا مجزرة سربرنيتشا الشهيرة في اعقاب تأسيس المحكمة اليوغوسلافية.
لكن وظيفة رفيق ونزارا ودورهما كان في اشاعة الثقة في اعضاء الوفد اللبناني بأن محكمته آتية لا ريب فيها، وفي نشر فكرة الحاجة الى الاستعداد لموعد انعقاد الجلسات في القاعة الجاهزة منذ الآن لاستقبال المتهمين والشهود وأفراد هيئتي الادعاء والدفاع والجمهور، وهو ما لا يستقيم مع وعي اللبنانيين جميعا ولا حتى مع ابسط تقديراتهم التي لا تستبعد تسوية سياسية دولية تأتي في اللحظة الاخيرة وتؤجل القرار الاتهامي لسنوات وترجئ المحكمة لعقود.. وتعطي كل ذي حق ما لا يستحقه!
لم يكن المكان ولا الزمان ولا الحضور يسمح بالنقاش حول تلك التسوية المفترضة او ربما المنشودة، ولا في السؤال الذي لا شك انه يشغل بال رفيق ونزارا حول القيمة المضافة التي قدمتها المحكمة اليوغوسلافية الى الشعوب اليوغوسلافية، وحول القيمة المضافة التي يمكن ان تقدمها المحكمة الخاصة بلبنان الى بلد وشعب ليس في ثقافته ولا في تاريخه اي اعتبار للعدالة والقضاء والقانون، وهو لا يزال يعتمد في حل جرائمه على التسويات او التصفيات.

← العودة إلى مختارات