إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

زيارة نجاد المثيرة - ساطع نور الدين (السفير)

يبدو ان اميركا وإسرائيل تأخذان زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد المقررة الى لبنان الاسبوع المقبل على محمل الجد، مثلهما مثل بعض اللبنانيين والعرب الذين يمكن ان يرجح ان ينتهزوا الفرصة للاعلان مرة اخرى عن ان الهلال الشيعي الممتد من طهران حتى الضاحية الجنوبية لبيروت، الذي سبق ان شهدوا ظهوره قبل سنوات، يتراءى لهم من جديد، بحجم اكبر ووضوح اشد.
الزيارة مهمة من دون شك، لان ايران طرف في الداخل اللبناني وفي المحيط العربي. لكن الرئيس نجاد لن يقلب الموازين السياسية المتقلبة اصلا، بل هو سيدغدغ مشاعر العامة بلغته الخارجة عن الدبلوماسية، والمنافية للواقع والمنطق، تماما كما فعل في رحلته الاخيرة الى نيويورك الشهر الماضي عندما قرر ان يشكك في الرواية الرسمية الاميركية، وأيضا في الرواية الفعلية لتنظيم القاعدة، حول هجمات 11 ايلول العام 2001، لسبب غير مفهوم حتى الآن، وغير متسق مثلا مع تشكيكه الدائم في المحرقة النازية لليهود، التي يريد العالم كله، باستثناء اسرائيل، نسيانها وشطبها من ذاكرته نهائيا!
صحيح ان الاميركيين والاسرائيليين يخشون من ان يسبب حجر يلقيه الرئيس نجاد من الاراضي اللبنانية على المواقع الاسرائيلية، اشعال حرب، لكنها خشية لا يبررها سوى الافتراض ان القرار بالحرب متخذ فعلا، وهو ينتظر ذريعة سقوط الحجر الايراني، الذي لا تزال واشنطن وباريس وغيرهما من العواصم المعنية تحاول تفاديه، حفاظا على ماء وجه اسرائيل وحرصا على عدم إقدامها على عمل اخرق مثل اغتيال الرئيس الايراني او اعتقاله لدى وصوله الى الحدود اللبنانية الجنوبية، على نحو ما يقترح عدد من الكتاب والمعلقين الاسرائيليين البارزين، على رئيس حكومتهم بنيامين نتيناهو!
وعدا ذلك، فإن القلق من تلك الزيارة غير مبرر على الاطلاق. لا يدركون حجم الترفيه الذي يترقبه الجمهور اللبناني من الرئيس نجاد، ولا سيما عندما يعزف لحن زوال اسرائيل وتفكك اميركا وانهيار الرأسمالية، او عندما تتاح تلك فرصة لا تعوض لمشاهدة الرجل عن قرب والاستماع الى خطابه الشعبوي الذي يثير ضحك الايرانيين ويشعرهم بالحرج ايضا، ويلحق الاذى الدائم بصورة دولتهم العريقة، ويكشف عن الصراعات الحادة داخل اركان النظام الايراني المحافظ، التي خرجت في الآونة الاخيرة الى العلن واضطرت الرئيس الايراني الى التراجع عن بعض قراراته.
أما الافراط في المبالغة والزعم ان نجاد آت الى لبنان لتفقد احدى المستعمرات الايرانية المتقدمة وإحدى جبهات المواجهة الايرانية المؤثرة مع الغرب، ففيهما افتئات على الوضع اللبناني اولا، الذي لا يمكن ان يسلّم بغلبة النفوذ الايراني على مصادر النفوذ العربية الاخرى، وافتتان بالخطاب الاميركي والاسرائيلي الذي يرسم حدودا واضحة للتعامل مع دولة ايران، بمعزل عن رئيسها ولغته النارية، التي لا تستقيم مع رغبة الجمهور الايراني العاقل وحاجته الى التفاهم والتعايش مع محيطه ومع العالم.
ستكون زيارة نجاد واحدة من أكثر الزيارات الرسمية المسلية التي يشهدها لبنان على الاطلاق، وربما اكثرها اثارة، ولا سيما في تحديها الاميركيين والاسرائيليين... ولو في الحجر.

← العودة إلى مختارات