إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

معادلات دقيقة في إدارة دولنا المضطربة - جهاد الزين (النهار)

قد يكون من المفيد رصد المعالم الاساسية للتحالفات والتوجهات التي تتوزع "ادارة" المنطقة حاليا لا سيما بعض دولها.
• في العراق من الواضح ان تفاهما ثنائيا بين ايران والمرجعية الشيعية في النجف بقيادة السيد علي السيستاني انضم اليه الحزبان الكرديان الرئيسيان "الديموقراطي" و"الاتحاد الوطني" يتجه لحسم مسألة الموقع الاهم في السلطة المركزية في بغداد وهو رئاسة الوزراء – لصالح السيد نوري المالكي زعيم "حزب الدعوة" و"ائتلاف دولة القانون" – ويحظى هذا التفاهم بدعم اكيد من واشنطن المنشغلة بانسحابها العسكري من العراق.
• في لبنان يظهر ان التفاهم السوري – السعودي على مسائل متعددة لا شك انها تتخطى لبنان ينعكس في مزيد من الاهتمام السوري بتغييرات جادة شخصية وسياسية في المشهد السياسي اللبناني. فما يحدث بعد التصريح المنشور باسم رئيس الوزراء سعد الحريري في جريدة "الشرق الاوسط" التي هي الجريدة السعودية الاولى في التعبير عن سياسة المملكة خارج السعودية والذي تراجع فيه بدون لبس عن اتهام سوريا باغتيال والده... الى صدور مذكرات التوقيف الـ 33... كل هذا تأكيد على عمق التفاهم السوري – السعودي وليس العكس. فتصريح سعد الحريري المشار اليه اكثر جذرية في التحول بما لا يقاس من "مذكرات التوقيف" التي تبدو في هذه الحالة مجرد نتيجة للتصريح.
قبل ان نسجل الاتجاهات الاخرى لا بد من الاستنتاج حتى لو بدت الصورة مشوشة احيانا، ان ما يحدث حاليا في كل من العراق ولبنان يعني ان "القرار النهائي" داخل التحالف الايراني – السوري في العراق هو... لايران، فيما "القرار النهائي" داخل التحالف السوري – الايراني في لبنان هو لسوريا، ايا تكن ارتباطات سوريا العراقية، كما حصل في التحالف الثلاثي السوري التركي السعودي خلال الانتخابات والذي دعم "القائمة العراقية" بزعامة اياد علاوي، مقابل الدعم الايراني المشترك لقائمة نوري المالكي من جهة، والتحالف الانتخابي بين الصدريين وآل الحكيم من جهة ثانية.
الاستنتاج الآخر ان العراق لا زال دائرة التفاهم الواقعي الاهم بين الولايات المتحدة الاميركية وايران رغم انخراطهما في صراع مرير على الملف النووي الايراني. وهذه واقعية ليست جديدة على ايران. فلنتذكر ان ايران كانت الدولة الاولى – قبل واشنطن – التي فتحت سفارتها في كابول فور احتلال القوات الاميركية لافغانستان واسقاطها نظام "طالبان" اواخر عام 2001.
• الاتجاه الثالث المهم تذكره والذي بدوره يضع سقفا لحدود العلاقات الاقليمية – الدولية هو استمرار الانسحاب التركي الصامت من الملف النووي الايراني تبعا لتفاهم حصل بين انقرة وواشنطن.
هذا لا يعني مطلقا اي مساس بالعلاقات التركية – الايرانية المتينة سياسيا في عدد من دوائر الشرق الاوسط والضخمة اقتصاديا. فهذه العلاقات المتينة ستظل، وهي مرشحة اكثر لتستمر في تشكيل احدى السمات الاستراتيجية الاهم لصورة المنطقة في القرن الحادي والعشرين. لكن تركيا، على ما يبدو، وبقيادة رجب طيب اردوغان أُرغمت (الضمة على الالف) على التراجع عن دور دولي طموح لتسوية الملف النووي الايراني، فتلقت بعض الصفعات التي اقنعتها بعدم قدرتها على ممارسة هذا الدور حين يكون "النظام العالمي" مستنفرا ضد ايران بهذا الشكل في الموضوع النووي...
• في هذا الوقت يتصاعد التوتر الايراني – الاميركي ومعه التوتر السعودي – الايراني... وهذا الاخير هو مصدر مخاطر التوتر السني – الشيعي على مستوى المنطقة، كما يظهر في اشكال متفاوتة في البحرين والكويت والامارات... في حين – وعكس الرائج – سيشكل الدور السوري صمام الامان لمنع انفجار، بل لابعاد اكيد لاي انفجار سني – شيعي في لبنان نتيجة التوتر المتواصل السعودي – الايراني.
• اتجاه آخر يجب رصده وان كان يبدو حتى الآن تكتيكيا لدى صانعيه الاسرائيليين، ولا يضمن اي تحول استراتيجي هو اتجاه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو الى القبول بتجميد مؤقت حتى نهاية السنة 2010 لعمليات الاستيطان... على الرغم من انه حتى اللحظة ومنذ انتهاء مفعول التجميد السابق يجري العمل في بناء 350 وحدة سكنية في مستوطنات الضفة... (مع ما يرافق ذلك حسب الصحافة الاسرائيلية من ظهور طابور العمال الفلسطينيين الصباحي المنتظرين للبدء في العمل في ورش البناء الاستيطانية!!).
لكن في هذه الدائرة المصيرية في الشرق الاوسط، التي هي دائرة الصراع العربي – الاسرائيلي، لا ضمانات لامكانية اختراق استراتيجي، فالاختراق هنا لو حصل سيكون كامل التأثير على الدوائر الاخرى لتأزمات المنطقة ولهذا يبدو الموقف حاليا وكأنه معالجة تكتيكية لقضية في غاية المصيرية، في وقت لا زلنا بانتظار ظهور ملامح قرار اميركي جدي بفتح المسار السوري – الاسرائيلي الذي يشكل بالنسبة للبنان نقطة تحول اساسية ان لم تكن الاساسية.
على ان المدهش في ما تكشفه السياسة الاسرائيلية هذه اللامبالاة العميقة حيال "عروض" التقارب مع اسرائيل من قبل اكبر دولتين عربيتين هما السعودية ومصر لقاء ثمن حل سلمي نهائي للقضية الفلسطينية. لا مبالاة تكاد تهدد – وعلى لسان مسؤولين اميركيين – كل السياسة الاميركية في المنطقة.
• على ان الحدث – الزلزال المنتظر في منطقة تتصف باضطراب كياني لعدد من دولها هو الانفصال المرجح لجنوب السودان، والذي يستمد خطورته من كونه حصيلة قرار "النظام الدولي" لا مجرد نتيجة الهشاشات الكبيرة التقليدية للوضع الداخلي السوداني. وهذا ما يضفي على الانفصال الجنوب – سوداني سمة البدء الدولي باعادة ترتيب خرائط المنطقة... من شمال المشرق الى جنوب الجزيرة ؟

← العودة إلى مختارات