إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

ابتكارات الممانعة درس في البيان - نسيم ضاهر (الحياة)

A279;تتوالى اكتشافات الممانعة في حقول المعارف وتبتكر لها العناوين والمفردات، كما تصوِّب، حيث دعت الحاجة، معنى المتداول من ألفاظ. على هذا النحو، اغتنت الموسوعة، منذ مجيء أحمدي نجاد إلى سُدَّة الرئاسة الإيرانية، وسطوع نجمه كداعية للتصحيح الكوني وطليعة ناشري الثقافة الجديدة، بكمٍّ لغوي مُستحدث على مقاس الطموح السياسي، يواكب الوثبة الإقليمية وانتشار مطارح النفوذ.

على غرار حركات التغيير الجذري، جاءت الثورة الإسلامية بمفاهيم ومقولات، مرفقة بما يستنهض أهل الصحوة ويدلّ على هويتهم الأساس. هكذا حلّ المستضعف والمجاهد والمقتدي بولاية الفقيه، بديلاً من المعذّب في الأرض (فرانتز فانون) والبروليتاري (ماركس) والصعلوك (بحسب أدبيات الثورة الفرنسية)، وجميع هؤلاء نسبت إليه صفة المناضل والمهتدي بأيديولوجية طليعية في زمانها، صالحة للأمم كافة. لكن الحقبة النّجاديّة حيث خلفت سابقة خاتمية اتسمت بالانفتاح والحوار مع الأسرة الدولية، سرعان ما بدّدت حواصلها التوفيقية، لتمعن في سياسات بديلة ونهج مُغاير في كنف حرس ثوري متشدد ازدادت وظائفه في الداخل ووراء الحدود معاً، فغدت لغته سائد المُقال، وهندساته منبت التأويل والتوصيفات، ناهيك عن قراءته الجيو - استراتيجية، ومعاييرها الاختزالية وأدوات صناعتها وترجمتها في المحيط. وليس بأقل منتوجات التحول الجاري حثيثاً ذلك الإصرار على تجريم أبناء النظام المعارضين، وإسباغ العمالة على دعاة السلام، واستعراض فائض القوة، والتلويح بمعاقبة من يتجاسر على مخالفة الجهاز العملاق أو مُجرّد الظنّ بنواياه. وفي طيَّات الخطاب المُؤدلج، كثرت استخدامات عسكرية الطابع، في موازاة اشتداد المخاوف الإقليمية والدولية، إزاء ملف نووي يحوطه الغموص فلا ينتهي فصولاً، فيما تكابر الإدارة المعنية به في طهران وترزح تحت العقوبات المكبّلة.

خصَّت الجمهورية الإسلامية فلسطين بفيلق القدس، راعي التشكيلات الجهادية في لبنان وغزّة العاملة على خط التماس مع الكيان الصهيوني السائر الى الزوال بحسب استشراف روائي غير مكلف يراكم الانتصارات بدءاً من هزيمة الولايات المتحدة في المنطقة، وتفوّق إيران التكنولوجي على ما عداها، وجلوسها نبراساً في طليعة الأمم. الطرق الدعائي في ذروة الضجيج، يبلغ صداه المعمورة على ما يُروَّج لهُ، مادته استعلائية على شاكلة الإنذار الأخير لقوى الاستكبار العالمي المتهاوية، ودليله قدرات علمية وتسلحيّة متنامية يُكشف عن أحدث إنجازاتها من صواريخ وغوَّاصات وبوارج وطائرات، الى المزيد من تخصيب الأورانيوم، فتقضُّ مضاجع الذين انتحلوا صفة القادة في عواصم القرار، وتدعوهم الى طلب العفو عن ارتكاباتهم والاعتذار. أمَّا الحوار المقبول فهو إملائي، بعد بيان انتفاء الندِّية بين صاحب الرسالة التاريخية (محطّ الأنظار) والآخر المُتخبِّط في التفسخ والأزمات لدرجة الانهيار المنتظر والمؤكد، يتناول جدول أعماله أحوال العالم وكيفية تصحيح الخلل العميق في العلاقات الدولية والأحجام، وكل خطبة كفيلة بإسماع المجتمع الدولي ما هو جاهل به وما يجب أو يترتب عليه.

وردية صور الممانعة الخلاصية، ومخيفة سيناريواتها المحتملة، إذا أخذت على محمل القياس الواقعي وموازين القوى الفعلية خارج محدّدات المنظومة الغيبية وإسقاطاتها المسطحة الجامدة الحكمية على الغير. وبلا ريب، ان ثمة عطباً يجرى التستر عليه في علاقات طهران مع جاراتها العربية والإسلامية، قبل بلوغ العالم الفسيح وتمظهر العداوة والنفور على الأقل، حيال مجموعة وازنة من الدول، لن يعوِّض عنها تعاطف شافيز، صقر فنزويلا الشعبوي المُلهم، وسعة صدر أردوغان، المنافس التركي الإيجابي في الإقليم، كما لن يتمكن لولا البرازيلي من الاستمرار في مسايرة النجّادية وتزيين واجهتها. كذلك ليس في مستطاع الرطانة الكلامية والتبجّح الاستعراضي الحلول علاجاً للمصاعب الاقتصادية، والإفلات قيد أنملة من العقوبات التي باتت تطاول رئة التنفس وتضيِّق في ميادين حيوية على مجال الحركة واستقدام التقنيات. مع ذلك تمضي طهران في غلواء يصعب احتساب التوقعات الدقيقة وردود الفعل حيالها، إنما تختصر المسافة المؤدية إلى نزاع مكشوف لا تُحمد عقباه ولا يتمنّاه مخلص في المنطقة حتى لو جارت سياسات إيران عليه واعتدت ضمنياً على استقراره وسيادته. إنّ الانتظارية التي تُُخيِّم على المشهد الإقليمي قابلة لمُتغيرات محدودة، وهي تستوعب، لغايته، المناورات التكتية من جانب المركز في طهران، هبوطاً وصعوداً في شأن الحوار مع الولايات المتحدة، وإشارات نقيضة في صدد الملف النووي والمنشآت والتخصيب. لكن قادة إيران يدركون أيضاً أهميّة الإفادة من الوقت المستقطع لإحداث نقلات تعزز النفوذ عبر الأذرعة خارج الحدود وتحمي، الى حد، قلب المنظومة، وتبعد الاستحقاق عنه ما تيسَّر من فرص.

في المقابل، تدفع الكيانات الدولتية في المدار ضريبة التسخين والمواجهة بالوكالة، جراء تمدد دفاعات الجمهورية الإسلامية، ومشاغلة الشيطان الأكبر وأعوانه، وحتى مباغتته. هنا، تقدم القرابين على مذبح الجهادية، من العراق الى غزة ولبنان، وتصل الأوضاع الى منتهى التأزّم، من دون التفاتة الى الأكلاف أو مراعاة للشركاء. فالعبث بأمن الدولة والمواطن جارٍ في هذه الأمصار على قدم وساق، والعنف بأشكاله المعنوية والمادية، أداة تطويع شامل للمجتمع والمؤسسات، والتأديب فعل صيانة لمقاومات شغلها الداخل في المقام الأول، وغايتها امتلاك أحادي الجانب للسلاح، ريثما يتسنّى لها قضاء أمر كان مفعولاً وملحوظاً من البدء في الأدبيات وجدول الأعمال.

كتبت دورة التاريخ لنا أصعب المسائل، وها نحن نمنع طرداً من الحياد عن سياسة المحاور وتبعاتها المرئية في جسد المجتمعات. وحيث تجهض الديموقراطية، وتفرغ من مضمونها، يصبح المدافع عن المساواة والحريات صقراً، وممتشق السلاح حمامة، تماماً كما يحمل الأول وصمة العار والاستسلام المُذلّ، ويحتكر الآخر المقدس وينتفع به متقدماً على سواه. هذا، ان أريد وصفه أحدث ابتكارات الممانعة، تجد فيه مستراحها الفكري والقيمي، ولعلها تنوي تلقيننا درساً في البيان، ملخصه الرضوخ للتفسير والالتزام بالإعراب أي الامتثال والّا كُمَّت الأفواه.A279;

A279;A279;* كاتب لبناني

← العودة إلى مختارات