حين يفسد ملح "14 آذار" - نديم قطيش (النهار)
شكل الموقف، أو اللاموقف على وجه أدق، الذي عبرت عنه قوى 14 آذار حيال وقف عرض "السيد المسيح" على شاشتي "المنار" و"إن بي إن" إستجابة لإحتجاج كنسي "مفهوم"، فضيحة في مستوى الالتزام القيمي بالحرية، لدى هذا الفريق، الذي مقام "الحرية" عنده أول الأقانيم الثلاثة "حرية سيادة إستقلال".
ففي حين نأى مسلمو قوى الرابع عشر من آذار عن إتخاذ اي موقف من وقف عرض المسلسل، مكتفين بدور المتفرج، وربما "الشامت" بالنيران الصديقة التي اندلعت بين مسلمي الثامن من آذار ومسيحييه، وجد مسيحيو قوى الرابع عشر من آذار أنفسهم معنيين بكرنفال المزايدة وحفلة تسجيل النقاط مسيحياً، الى حد تبارى هؤلاء في ما بينهم في اعلاء علم "الأصولية".
ولئن كان من البديهي ان يرى رئيس اللجنة الاسقفية لوسائل الاعلام في لبنان المطران بشارة الراعي في سيناريو المسلسل مادة "مشوهة ولا تتفق مع تعاليم الانجيل" كان الادعى أن تلعب 14 آذار دورها في ضبط حدود هذا الحق ومنعه من التحول اداة للقمع الثقافي الذي ترجم وقفاً للعرض.
غير أن ما حصل كان مساهمة "14 آذارية" مباشرة وغير مباشرة في تكريس هيمنة "ذهنية التحريم" على مساحة ثقافية، قد نختلف أو نتفق كثيراً في تقويم جديتها ورصانتها وقيمتها في هذا المقام. وهو ما يدل على القدرة الفائقة للرداءة السياسية على تقزيم الوعي النهضوي الذي ينبغي أنه ديدن الحالة الاستقلالية ودينها.
فصدرت تصريحات لشخصيات مركزية من نوع أن "المراجع الكنسية هي وحدها المؤهّلة لتقويم كل ما له علاقة بالدين المسيحي" او أخرى تعتبر أن المسلسل "دق ناقوس الخطر للفت النظر الى الإهانة التي تطاول المسيحيين وهي ظاهرة لم يكن من الممكن تجاوزها وتجاهلها". كل هذا حيال مسلسل يقارب سيرة السيد المسيح من خلال رواية تقع على التقاطع الحساس بين رواية إنجيل برنابا الذي لم تعترف به الكنيسة والرواية القرآنية لسيرة المسيح.
وبلغت "الإنتهازية الطفولية" لدى بعض مسيحيي 14 آذار حد التركيز على "إيرانية" مصدر المسلسل للتصويب على رئيس تكتل التغيير والاصلاح النائب ميشال عون من باب قدح تفاهمه مع "حزب الله"، فكان أن وقع هذا البعض في نبرة شوفينية معادية لـ"الإيراني كإيراني" على نحو عداء القوميات البغيضة للآخر. غير ان الأسوأ من داء القومية، في حالتنا الراهنة، ليس أن الموقف مبني على قاعدة صورة مشوهة للتاريخ، على جري عادة المواقف القومية، بل على قاعدة صورة مشوهة للحاضر، تجعل من إيران كلاً متماسكاً لا يحركها الا السعي للفت من عضد الممانعة المسيحية عبر "ضرب" مقدساتها. والى المزايدين والإنتهازيين ينضم الإعتذاريون الذين لا يرون في الحالة الراهنة ما يسمح بتسجيل موقف ثقافي أو قيمي في هذا الخصوص، لا سيما أن الحالة الاسلامية أفاضت خلال السنوات القليلة الماضية في إفرازات "بارانويا التحريم"، من إجتياح الاشرفية إحتجاجاً على صورة كاريكاتورية تطاول نبي المسلمين، الى إجتياح طريق الجديدة إنتقاماً لــ"المس" بأمين عام "حزب الله" في برنامج تلفزيوني كاريكاتوري باتت لديه دمى كل شخصيات البلد ما عدا شخصية السيد حسن نصرالله. والحال، أن هذا الراهن نفسه هو ما يستدعي من 14 آذار عموماً ومن مسيحييها خصوصاً أن ينتبهوا انهم ملح هذا البلد وجوهر معناه وأن يحرصوا على ان لا يفسد هذا الملح بمزيج قاتل من المزايدة والإنتهازية والإعتذارية...
(صحافي في تلفزيون "المستقبل")