تأخير القرار الظني محطة في مسار تعطيل المحكمة - سابين عويس (النهار)
بعدما بات منع صدور القرار الظني للمحكمة الخاصة بلبنان الهدف الاول لاستراتيجية عمل "حزب الله"، هل ينجح الحزب في المرحلة المتقدمة من المواجهة التي بلغها في استدراج رئيس الوزراء سعد الحريري الى قول ما يساهم في تحقيق هذا الهدف؟
مبعث السؤال الحملة السياسية والاعلامية المركزة التي تستهدف رئيس الوزراء وتتجاهل أحياناً سقوف التهدئة، لدفعه الى الخروج عن صمته حيال المعطيات التي قدمها الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله متهما اسرائيل باغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ودفعه الى تبني موقف مماثل يستبق فيه مسار التحقيق بحجة ان اي موقف مغاير يخدم مصلحة الدولة العبرية ويمعن في اتهام المحكمة بالتسييس. لكن الحريري الذي يعي خطر التدخل في مسار عمل المحكمة، وتاليا صدقيتها آثر الصمت صونا لمناخ التهدئة من جهة واحتراما لاستقلالية المحكمة من جهة اخرى، علما ان ثمة من يرى ان موقف رئيس الحكومة لا يتسم بكثير من البراءة، اذ يصف صمته بانه استدراج لـ"حزب الله" لاخراج كل ما لديه حتى يتسنى في نهاية المطاف العودة الى لغة العقل والمنطق واسقاط لغة التخوين والتخويف.
وهو عكس في كلماته الرمضانية الاخيرة منحى ايجابيا، وكذلك فعل بحسب مقربين منه في لقائه المعاون السياسي للامين العام لـ"حزب الله" حسين الخليل وقد ساهمت هذه الاجواء في موافقة الحزب على تسليم قرائنه الى القضاء اللبناني. واذ توقعت مصادر سياسية قريبة من السرايا ان يطول صمت سيد القصر الحكومي في انتظار الوقت المناسب للكلام المباح، لم تستبعد ان تشتد الحملة السياسية والاعلامية على المحكمة من ضمن الاستراتيجية الموضوعة، والهادفة اولا واخيرا وفق هذه المصادر الى تعطيلها وليس تأخير القرار الظني كما يعتقد البعض، مشيرة الى ان "ما رايناه في الاشهر الاخيرة وتحديدا منذ الخطاب الاول للسيد نصرالله وما نراه اليوم وسنراه في الاشهر المقبلة يسير في اتجاه تأخير صدور القرار الظني، لكن كسباً للوقت، باعتبار ان قيادة الحزب تعي الحاجة الى مزيد من الوقت لانجاز استراتيجيتها وتحقيق هدفها.
ورأت هذه المصادر ان عناوين الحملة، وبعد اتهام اسرائيل مباشرة وعلناً، ترتكز على اكثر من محور محلي وخارجي:
- فعلى الصعيد الخارجي دعت المصادر الى رصد مواقف الحزب والقوى الحليفة له من المدعي العام للمحكمة القاضي دانيال بلمار الذي باتت الكرة في ملعبه بعدما وافق الحزب على تسليم ما لديه الى القضاء. وقد بات من مسؤوليته بدء التحقيق مع المسؤولين الاسرائيليين واستجوابهم واذا لم يعمد الى ذلك سيتهم عمله بالتسييس.
- وسيترافق ذلك في رأي المصادر مع مزيد من العمل على الرأي العام المحلي والعربي والاسلامي تحديدا في اتجاه اتهام اسرائيل، وخصوصا ان موضوع المحكمة لم يعد معرفة قتلة الرئيس الحريري بقدر ما صار اتهام اسرائيل مباشرة بالاغتيال من منطلق العداء العربي المطلق والعقائدي لها.
وثمة محور خارجي آخر هو استباق ما قد يسفر عنه المشهد الاقليمي والتحسب له مع توقع استئناف مفاوضات السلام في وقت قريب جدا.
- اما على الصعيد الداخلي، فتوقعت المصادر ان يستمر استهداف رئيس الحكومة تمهيدا لدفعه الى الخروج من صمته.
ولكن هل يقلل الصمت حجم الاضرار المتوقعة من اي كلام يخدم "حزب الله" في معركته ضد المحكمة؟
تجيب المصادر انه بقدر ما يسعى الحزب الى قتل المحكمة وتعطيل قرارها الظني، يسعى رئيس الحكومة بصمته الى الحفاظ على استمرار عملها كشفاً للحقيقة وتحقيقا للعدالة ولذلك فهو لا ينوي تناول اي فرضيات لا تصدر عن المحكمة الدولية وبات في عهدتها، التي يعود اليها النظر في الاتهامات ومطالعات الادعاء والدفاع. وهي المرحلة التي ترى المصادر انه ببلوغها يمكن الحكم على صدقية المحكمة واستقلاليتها، مشيرة الى المرحلة التي بلغتها المحكمة لم تعد في يد لبنان ولا تعمل بالتالي وفق معاييره المحلية بل بالمعايير التي يتبعها القاضي بلمار، والتي ستخضع بدورها وعند اصداره قراره الظني لقاضي الاجراءات التمهيدية دانيال فرنسين، الذي سيعود اليه خلال مهلة شهر وبعد درس حيثيات القرار وقرائنه ومعطياته ان يقرر فتح المحاكمة او اعادة القرار لمزيد من الدرس. وترى المصادر ان كل الفرضيات تبقى قائمة حتى صدور القرار الاتهامي، مشيرة الى انه عند بدء التحقيق الدولي اخذت كل الفرضيات بما فيها الفرضية الاسرائيلية في الاعتبار ومع تقدم التحقيق ووفق التقارير الصادرة عن المحققين بدأت فرضيات تتقدم على حساب اخرى انطلاقا من العناصر الاساسية لاي تحقيق: الدافع والامكانات وصولا الى الادلة والقرائن.
ولفتت الى انه بوصول التحقيق الى ادلة او قرائن غير قابلة للشك يتعذر العودة الى فرضيات سابقة الا اذا توافرت ادلة دامغة تقلب مسار التحقيق مستبعدة ان تكون هذه هي الحال الآن مع الادلة التي قدمها "حزب الله" باعتراف قيادته.
وتمنت المصادر اخيرا ان تتاح الفرصة امام التئام المحكمة للنظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري لانها تؤمن تكافؤ الفرص لكل الاطراف من الادعاء الى الدفاع لكنها لم تكثر خشيتها مما لا يزال ينتظر مسار المحكمة مما هو غير معلن ويجري تحضير المناخ السياسي له، مشيرة الى انه قد يشكل في حال حصوله رصاصة الرحمة للعدالة في لبنان.