تسليح الجيش: الأطراف الداخلية تواجه آلة «كشف الكذب» - عماد مرمل (السفير)
فتحت معركة العديسة ملف تسليح الجيش اللبناني على مصراعيه، والاهم انها بددت العديد من الاوهام التي كانت تراود البعض حول حقيقة مواقف بعض الدول الغربية من الجيش ومدى جديتها في تقويته، بعدما تبين انه لا يُسمح له باستخدام الرصاص الحي سوى... في الداخل!
لقد جاء اختبار العديسة ليعيد تكريس حقائق ثابتة كادت تُطمس تحت وطأة التجاذبات الداخلية الحادة خلال السنوات الخمس الماضية، وأهمها ان الولايات المتحدة تريد من الجيش تأدية وظيفة محددة وهي مواجهة «حزب الله» والارهاب الاصولي، وأن أي سلاح أميركي نوعي لا يمكن ان يعطى له إلا إذا كان مضمونا انه سيستخدم في هذا الاتجاه حصرا، بعيدا عن الحدود مع فلسطين المحتلة، حيث يصبح وجود شجرة بمثابة تهديد لأمن اسرائيل، يجب اقتلاعها ولو كاد ذلك يقود الى حرب شاملة.
تندرج هذه القيود الاميركية القديمة - الجديدة في إطار ثوابت الاستراتيجية المعتمدة من واشنطن في الشرق الاوسط والتي تأتي في طليعتها حماية إسرائيل وضمان تفوقها العسكري على قاعدة ان امنها فوق كل اعتبار.
وما يراد للبنان ان يرضخ له، يسري منذ زمن على حلفاء أميركا في المنطقة ومن بينهم على سبيل المثال مصر والاردن اللتان تحصلان على سلاح أميركي مقابل تعهد بعدم استعماله ضد اسرائيل او إعطائه الى طرف معاد لاسرائيل، مع الاشارة الى أن نوعية الاسلحة المسموح بها لا تنتمي الى «الجيل الاول» الذي تملك تل ابيب وكالته الحصرية في المنطقة.
والمفارقة ان شراسة الحملة التي شنتها اسرائيل وبعض الاصوات الاميركية على الجيش غداة موقعة العديسة، والتي بلغت حد المطالبة بمنع تسليحه، أوحت بأن الاسلحة التي استخدمها الجنود اللبنانيون في العديسة هي نوعية ومتطورة، في حين انها لم تتعد عمليا إطار الاسلحة الفردية والمتوسطة الكلاسيكية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولكن إرادة المواجهة التي كانت تحركها هي التي صنعت الفارق في الميدان.
بهذا المعنى، فإن الجيش اللبناني لن يخسر شيئا على الارجح إذا قررت الادارة الاميركية الاستجابة للضغوط الاسرائيلية والاصوات المؤيدة لها في الكونغرس، لان ما تحصل عليه المؤسسة العسكرية من واشنطن ليس سوى «ذخيرة ناعمة» وبعض وسائل النقل، في تعبير عن ابتزاز مزمن يُمارس بحق الجيش اللبناني، وقوامه المعادلة الآتية: «إما تسليح نوعي يُقابله تغيير العقيدة القتالية، وإما الاكتفاء بالفتات».
ليس صعبا الاستنتاج ان هناك في واشنطن نوعا من الحنين الى ذاك الجيش الذي كان موجودا بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1982. حينها تدفقت شحنات الاسلحة الاميركية بغزارة الى الجيش الذي كان يقصف الضاحية الجنوبية والجبل وبيروت، ويؤمن الحماية لنظام سياسي تحالف مع الولايات المتحدة ووقع معاهدة 17 ايار مع اسرائيل، قبل ان يًُجبر على التراجع عنها. ثم جاء اتفاق الطائف لاحقا ليحسم بعد مخاض عسير هوية الجيش وعقيدته القتالية على اساس ان اسرائيل هي العدوة وسوريا هي الصديقة.
ومع دخول لبنان في مرحلة التحولات الكبرى عام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، اعتقدت واشنطن ان الفرصة أصبحت سانحة للعمل مجددا على تغيير عقيدة الجيش بعدما نجحت في اختراق مؤسسات أخرى، مفترضة ان الانقلاب لن يكتمل من دون ان تشكل المؤسسة العسكرية جزءا من ديناميته.
إلا ان الجيش الذي استفاد من تجاربه كثيرا، قاوم عصف التحولات وبقي متمسكا بعقيدته المكرسة في اتفاق الطائف. لذلك، تدرك قيادة الجيش ان تركيبة المؤسسة العسكرية وقناعتها لا تتحملان مغامرة جديدة كتلك التي خيضت في أعقاب الاجتياح الاسرائيلي والتي دفع ثمنها الجيش غاليا في العام 1984 بانقسامه على ذاته وتشتته الى ألوية مناطقية وطائفية ومذهبية، احتاجت الى جهد كبير من أجل إعادة صهرها في بداية التسعينيات.
ومرة أخرى، عادت الضغوط لتُمارس على الجيش من النافذة الجنوبية بمجرد انه امتلك جرأة ان يصوّب نيرانه على قوة إسرائيلية معتدية عند الحدود مع فلسطين المحتلة، الامر الذي باغت الكثيرين في الداخل والخارج ممن اعتادوا النظر الى الجيش باعتباره مجموعة من فرق الكشافة.
لقد كان هؤلاء يتوقعون من العسكريين في العديسة الاقتداء بالمهاتما غاندي في سلوكهم او الاكتفاء بإطلاق النار في الهواء إذا ضاقت بهم السبل، فكانت المفاجأة غير المحسوبة التي أفضت الى مقتل احد كبار الضباط الاسرائيليين.
وإذا كان موقف الرئيس ميشال سليمان الداعي الى إطلاق حملة واسعة لتسليح الجيش من دون شروط قد شكل ردا حازما على الاستهداف الاسرائيلي، إلا انه ينطوي في الوقت ذاته على اختبار لنيات وشعارات الاطراف الداخلية التي تزدحم سجلاتها بأطنان من الكلام المعسول عن الجيش وضرورة حصر وظيفة حماية لبنان به، وبالتالي فإن هذه الاطراف ستواجه قريبا امتحان تجاوز آلة «كشف الكذب» المتمثلة في طرح رئيس الجمهورية.
وعليه، فإن السؤال المطروح الآن هو: هل ان جميع القوى التي يتكون منها مجلس الوزراء ستدعم تسليح الجيش من أي مصدر لا يفرض شروطا مسبقة مع ما يُرتبه ذلك من تمرد على الضوابط الاميركية التي تفرض «تقنينا» على المؤسسة العسكرية، ام ان البعض سيرفض الإتيان بأسلحة من دول غير غربية، مثل إيران، انسجاما مع طبيعة علاقاته ومع رؤيته الى موقع لبنان الاقليمي في المنطقة؟
وحسب الخبراء العسكريين، يحتاج الجيش بالدرجة الاولى الى منظومتي دفاع جوي وبحري ومنظومة دفاع ضد الدبابات، تبلغ كلفتها التقريبية ما بين ثلاثة وأربعة مليارات دولار، يمكن جدولة إنفاقها على مدى خمس سنوات، الامر الذي يستدعي البحث في كيفية تأمين هذه المبالغ في ظل عجز الخزينة.
ويعتقد الخبراء انه يمكن الحصول على هذه المنظومات الدفاعية من إحدى الدول الآتية: إيران، روسيا، الصين، او كوريا الشمالية، لافتين الانتباه الى انه سبق للصين ان عرضت بيع الجيش اسلحة بأسعار مقبولة، إلا انه لم يؤخذ بالعرض.
في الخلاصة، هل ستتخذ الدولة اللبنانية القرار السياسي الجريء بتسليح الجيش لتلاقي شجاعة العسكريين في العديسة وروحيتهم الوطنية والقتالية العالية، ام انها ستظل خاضعة الى حسابات من نوع آخر؟
الجواب هو برسم مجلس الوزراء، وإن غدا لناظره قريب.