هل يعاد إحياء الكتلة الوسطية امتصاصاً للصدمات؟ - دنيز عطالله حداد (السفير)
لم يمنع التطور الدراماتيكي للوضع جنوبا امس، من ان يواصل السياسيون اللبنانييون محاولة فك «طقوس الاشارات والتحولات» ما بعد القمة الثلاثية التي عقدت في بيروت. يحللون كل كلمة او موقف، وكل لقاء وزيارة ويبنون عليه. يتابعون تصاريح السياسيين في الدول المعنية، يقرأون افتتاحيات صحفها وما بين سطورها لكنهم مع ذلك لم يتوصلوا الى فك الدلالات وابعادها. وما رشح من معلومات وتلميحات لا يجعل منسوب التفاؤل يرتفع.
وحسب مصادر واكبت التحرك العربي فان «اقصى ما يبدو واضحا اليوم من نتائج التقارب العربي المفترض هو الدفع باتجاه تهدئة الاوضاع في لبنان. لم ترسم القمة على ما يبدو خارطة طريق للخروج من الواقع المأزوم. حرص الجميع على تكرار الدعوة الى الهدوء وتجنيب لبنان تجرع الكأس المرة من جديد. اتفقوا على حراجة الوضع وخطورته. لكنهم لم يتفقوا على مصدر الخطر الذي بقي كل طرف يحدده وفق قراءته وتحالفاته». وتتابع المصادر «لقد أعطت القمة صورة ايجابية لكنها لم تكن اكثر من ذلك. هي اقرب الى شيك ضخم بلا رصيد. نظريا يملك حامله مفتاح الثروة وعمليا لا يتعدى كونه ورقة كسائر الأوراق».
وتشير المصادر الى «ان لا معطيات ملموسة تبشر بأن المجتمعين توافقوا على مخرج للقرار الظني المرتقب للمحكمة الدولية في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وهو المفتاح الاساس سواء للتوتر او الهدوء الداخلي».
يتحفظ معظم نواب «المستقبل» في التعليق على القمة وتأثيراتها. جزء من التحفظ غياب المعلومات وجزء آخر مرده الى تعميم فكرة تقول بوجوب التوقف عن إدراج المحكمة وقرارها الظني واحكامها في بازار المداولات والاخذ والرد. «لا مصلحة لنا بالدخول في سجالات حولها لا طائل منها ولن تغيّر في شيء من تطور الامور ومسار العدالة» وفق ما يشير نائب في «المستقبل». ويؤكد «نحن واثقون ان لا مساومة عربية على المحكمة، ولا تنازل من جهتنا عن معرفة الحقيقة واقرار العدالة. وحتى لو ساومنا او تنازلنا فالمحكمة خرجت من قدرتنا على التأثير. فلنسحبها من التداول».
لكن «المستقبل» يعرف ان «حزب الله» الذي يرى في القرار الظني تهديدا مباشرا واستهدافا سياسيا وامنيا لن يغض الطرف لان قرارا «بإخراجها من التداول» قد اتخذ. يراهن «المستقبل» على ان «اصرار الجميع على التهدئة قد يبقي الامور تحت سقف الاختلاف والخلاف المقبول ولن يذهب في اتجاه التصعيد والتوتر. فماذا يمكن ان نستفيد جميعا من تشنج الاجواء؟».
«التهدئة والتروي والابتعاد عن لغة التخوين وتشنيج الاجواء» هي العبارات التي يكررها رئيس الجمهورية ميشال سليمان امام زواره وهو ما قاله علنا في خطابه الاخير. وينقل احد المقربين منه «ان الرئيس حريص على استفادة لبنان من كل موجة خير عربية ممكنة. لماذا علينا ان ندفع دائما ثمن خلافات العرب ولا نستفيد من لحظات تلاقيهم وتقاطع مصالحهم؟ علينا ان نضبط انفسنا ونبتعد عن المشاحنات في انتظار حلول للازمات التي تعصف بنا».
وينفي المصدر اي تنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري في شأن اطلاق مبادرة محددة ما وان «كان الرئيس يشجع اي مسعى للاستفادة من المظلة العربية لتأمين مناخ داخلي ايجابي يساعد على تقطيع المرحلة الصعبة وخلق شبكة امان تصمد امام كل ما يهددنا من مخاطر».
وحول اعادة احياء فكرة الكتلة الوسطية التي تتيح تلقي الصدمات من دون ان ينقسم البلد بين فريقين يقول المصدر القريب من سليمان «ان نهج الرئيس هو نهج معتدل ووسطي. خياراته الوطنية واضحة كما موقعه التوافقي. وهو يسعى الى اكبر قدر من التلاقي بين اللبنانيين ويرحب بكل مبادرة داخلية من اية جهة اتت تسمح بايجاد مساحات مشتركة. لم يفاتح احد الرئيس بمثل هكذا تكتل وان حصل فانه يعتبره اقترابا منه ومن طريقة تفكيره ومن روح البلد القائمة على التوازنات الدقيقة والابتعاد عن الانقسامات المدمرة بتطرفها».
يكثر الهمس حول هذه الكتلة ويعتبر احد السياسيين «انها اليوم ضرورة حيوية تتيح عقلنة الخطاب وتعيد للحوار دوره واهميته في خلق الاجماع اللبناني، اقله في تجنيب البلد الصغير الالعاب والمغامرات الكبيرة». ويشير الى «ان التوقيت اليوم مثالي لضخ الحياة في مثل هذه الكتلة علّنا لمرة نتجنب دفع اثمان باهظة عن آخرين وبسببهم».