ما قبل الظن - ساطع نور الدين (السفير)
لن يطول الامر باللبنانيين حتى يكتشفوا ان الزيارات العربية الاخيرة الى بيروت كانت مجرد سحابة صيف عابرة لن تخفض حرارة التوتر الداخلي، لانها لم تكن اصلا معنية بتحقيق هذا الهدف، ولا كانت مواعيدها وجداول اعمالها مبنية على اساس ذلك التوتر المفاجئ ولا كانت مهتمة بالمسارعة الى العثور على مخرج مبكر من ازمة لا تزال في بداياتها الاولى، يمكن ان تصبح مراقبتها من بعيد شيقة وحافلة بالفرص التي توفرها لجميع الزوار العرب من دون استثناء.
لا يعني ذلك ان ايا من الاشقاء العرب يريد لهذه الازمة ان تنفجر في الشارع، والارجح ان احدا منهم لا يتوقع مثل هذا الانفجار، على الاقل في الوقت الراهن الذي يوحي بان الفرقاء اللبنانيين وحلفاءهم الخارجيين ما زالوا في مرحلة استعراض عضلاتهم السياسية، ولم يقتربوا من حافة المواجهة التي يمكن ان تستدعي تدخلا عاجلا من الخارج، يمنع الاخلال بموازين القوى الداخلية التي ارسيت على عجل وعلى زعل في اتفاق الدوحة...
بكلمة اخرى يبدو من شبه المؤكد ان احدا من الاشقاء العرب لا يشعر بالانزعاج لوجود حزب الله تحديدا في موقع دفاعي حرج لم يسبق له مثيل، يفقده مكانته وشعبيته التي تخطت في وقت من الاوقات الحدود اللبنانية، لا سيما قبل السابع من ايار العام 2008، ويخسره بعض المكاسب السياسية التي حققها في اعقاب ذلك اليوم المشؤوم... حتى ولو اقتضى الامر المساهمة من وراء الستار في تأجيج التوتر اللبناني، ودفعه الى شفير الهاوية التي تجبر الحزب على تقديم التنازلات مقابل الحصول على صك البراءة او على الاقل المغفرة.
ومن البداهة القول ان الاشقاء العرب يدفعون في هذا الاتجاه اللبناني الحرج، لانهم يودون حتما تحجيم النفوذ الايراني ليس فقط في لبنان بل ايضا في العالم العربي كله، حيث يبدو ان ايران تخوض اليوم صراعا مفتوحا مع العرب جميعا وربما ايضا مع العالم كله حول دورها وحصتها في العراق، وهي لذلك تتعرض لعقوبات دولية اضافية مشددة دعي العرب جميعا للالتزام بها اكثر من اي وقت مضى، باعتبارها الحد الفاصل بين طموح طهران المفرط لتقديم نفسها كعاصمة اقليمية كبرى، وبين طموح اعدائها وخصومها الكثر لاقناعها بالتواضع والانكفاء الى داخل حدودها.
لكنها مغامرة خطرة، كما كل المغامرات التي شهدها لبنان على مدى السنوات القليلة الماضية. حساب الوقت المتاح للعب على وتر التوتر الداخلي وصولا الى التسوية المرضية قبل لحظات من الانفجار، لم يكن دقيقا في اي وقت من الاوقات، ولم يكن يعتمد على فريق واحد فقط، كما لم يكن يستبعد تدخل لاعبين آخرين، يودون انتهاز الفرصة، لتصفية حساباتهم الخاصة او تحقيق مكاسبهم الذاتية التي لا شأن لها بالعنوان الحالي للازمة.
المغامرة لا تزال في بدايتها. التسوية تبقى ممكنة حتى اللحظة الاخيرة التي يستحيل على اي طرف لبناني ان يتكهن بموعدها مهما بلغت به الظنون!