لهذه الأسباب.. الحكومة باقية حتى صدور القرار الظني - عماد مرمل (السفير)
عند تشكيل الحكومة الحالية بعد مخاض عسير، تردد ان عمرها الافتراضي سيكون اربع سنوات، أي سيمتد حتى موعد اجراء الانتخابات النيابية المقبلة. اطمأن الوزراء الثلاثون الى ان إقامتهم في مناصبهم ستطول، وبدأوا بترتيب حساباتهم على هذا الاساس.
لكن هذا الشعور بالأمان والاستقرار لم يعمر طويلا، إذ ان الإيقاع السلحفاتي الذي اتسم به عمل الحكومة وتواضع انتاجيتها في الاشهر التي تلت تشكيلها فتحا الباب امام الكلام عن إمكان حصول تغيير حكومي، ثم راح هذا المناخ يتعزز مع التبدل الذي طرأ على المعادلات السياسية بعد تطور العلاقة بين دمشق وسعد الحريري واكتمال انعطافة النائب وليد جنبلاط وبالتالي تثبيت تموضعه في خندق التحالف مع سوريا والمقاومة.
قيل حينها بان وجود «القوات اللبنانية» في الحكومة أصبح عبئا عليها وعلى التوازنات السياسية الجديدة وانه لا بد من تركيبة وزارية مختلفة تراعي الوقائع المستجدة. إلا ان هذا الاستنتاج ظل نظريا، وبقيت الحكومة قائمة بتركيبتها الراهنة، لاسيما وان رئيسها سعد الحريري يتمسك بتحالفه مع رئيس الهيئة التنفيذية في «القوات» سمير جعجع الذي ساير بدوره «الحساسية السورية» للحريري في ظل تطور علاقته بالرئيس بشار الاسد، فخفف من حملاته على دمشق وصولا الى إعطاء الضوء الاخضر لمشاركة وزيري «القوات» ابراهيم نجار وسليم وردة في الوفد الوزاري الذي زار سوريا برئاسة رئيس الحكومة في إطار تطوير العلاقة بين البلدين والتوقيع على العديد من الاتفاقيات المشتركة.
ومرة أخرى، وُضع مصير الحكومة على بساط البحث في أعقاب تصاعد السجال الداخلي حول القرار الظني، المرتقب صدوره قريبا عن المحكمة الدولية. وليس خافيا ان بعض السيناريوهات توقع ان تكون الحكومة من أولى ضحايا هذا القرار، بحيث تدفع ثمنه من لحمها الحي وتضطر الى الرحيل عن السلطة إما طوعا وإما قسرا.
هل سيصح هذا التوقع، ام ان الحكومة قادرة على الصمود؟
توحي الأجواء السائدة لدى عدد من الوزراء ان الحكومة باقية في الخدمة حتى إشعار آخر، وذلك للاسباب الآتية:
- ان انفراط عقدها في الوقت الحاضر سيفجر أزمة سياسية خطيرة سابقة لأوانها وسيُدخل البلاد في نفق المجهول، لانه سيكون من المتعذر إيجاد بديل عنها، والجميع يعرف ذلك.
- ان تفجير الحكومة من داخلها عبر استقالات جماعية هو قرار كبير ليس سهلا على أي طرف اتخاذه وتحمل مسؤوليته، وبالتالي فان من سيُقدم على مثل هذه الخطوة الدراماتيكية يكون قد قرر عن سابق تصور وتصميم فتح معركة سياسية عنيفة، ليس إسقاط الحكومة سوى أحد فصولها.
- ان الحكومة الراهنة وُلدت بعد مخاض خارجي صعب، الامر الذي يعني ان رحيلها ليس قرارا لبنانيا فقط بل يتطلب تغطية اقليمية، اقله من أحد أفرقاء المعادلة التي أنجبت الحكومة، فيما تُبين المعطيات الراهنة ان المظلة السورية - السعودية للوضع اللبناني لم تُسحب بعد، وان أحدا من طرفيها ليس مستعدا الآن لتمزيقها، وهذه مسألة جوهرية، ولعل زيارات الملك السعودي والرئيس السوري وأمير قطر المرتقبة الى بيروت في الايام المقبلة، تدل بوضوح على ان مفاعيل مظلة «الرعاية الاقليمية» ما تزال سارية المفعول.
وهناك بين الوزراء من يستحضر اليوم نصيحة أمير الكويت للبنانيين، خلال زيارته الى بيروت قبل أشهر، بأن حافظوا على هذه الحكومة أطول وقت ممكن ولا تفرطوا بها..
- ان المعارضة لا تبدو حاليا، على الاقل، صاحبة مصلحة في إسقاط الحكومة، خصوصا وان تركيبتها ملائمة لها، كما ظهر في أكثر من محطة فاصلة، ناهيك عن انه ليس مفيدا للمعارضة ان تعبث بالعرف المعتمد منذ اتفاق الدوحة والقاضي بتأليف الحكومات على اساس المشاركة والشراكة، علما ان قوى 14 آذار لا تستسيغ هذا الواقع، وهي طالما اعتبرت في أدبياتها ان اتفاق الدوحة قد انتهى وانه يجب تأليف الحكومة على قاعدة الاكثرية والاقلية وفق النتائج التي تفرزها الانتخابات النيابية.
- ان الرئيس سعد الحريري لن يجازف بالدفع نحو تغيير الحكومة، من دون أفق واضح، وهو الذي يعلم انه لن يكون بالإمكان أفضل مما كان، وان اي حكومة جديدة لن تختلف في تركيبتها عن تلك الحالية، في ظل موازين القوى الراهنة.
- ان تجاوب الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله مع اقتراح الرئيس سليم الحص بدعوة مجلس الوزراء الى تحمل مسؤولياته في مناقشة كيفية مقاربة ملف المحكمة الدولية وقرارها الظني، أعطى انطباعا بان مدة صلاحية الحكومة لم تنته بعد.
ويقول أحد الوزراء الفاعلين انه يجب النظر الى مسار الحكومة بواقعية ومحاكمة تجربتها حتى الآن على هذا الاساس، لافتا الانتباه الى انه لو اراد ان يقارن بينها وبين أي حكومة في دولة اسكندنافية على سبيل المثال «لكنت قد انتحرت فورا»، أما إذا تمت مقاربة عملها من زاوية مقارنته بالإمكانيات المتاحة فان صورتها تتحسن وتصبح مقبولة.
ويدعو الوزير المذكور الى التمييز بين واجبات الحكومة التي تؤديها بشكل معقول حتى الآن وبين انجازاتها التي تبدو محدودة، مشددا على ان الوظيفة الرئيسية للحكومة هي حفظ التوازن الوطني والسياسي في البلد، وقد نجحت في ذلك كما حصل في الجلسة الشهيرة المتعلقة بمناقشة العقوبات على إيران، حيث أثبتت تركيبتها الدقيقة جدواها في تمرير هذا الاختبار بسلام، من دون غالب ومغلوب.
.. يبقى ان كل الاعتبارات المؤاتية لاستمرارية الحكومة تصح قبل صدور القرار الظني، أما بعد صدوره فان مصير الحكومة سيصبح على الارجح في مهب الريح.
وإذا كانت المعارضة قد استقالت من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لانه رفض ان يعطيها مهلة بضعة ايام لدرس مشروع نظام المحكمة الدولية، فهي قد لا تجد فائدة في الاستمرار في حكومة الرئيس سعد الحريري إذا أصر بعض أطرافها على تأمين التغطية لقرار ظني يتهم «حزب الله»، ولو تحت عنوان «عناصر غير منضبطة»، أو من دون تسمية الحزب نهائيا والاكتفاء بتسمية أفراد فيه، لاسيما وان الحزب وحلفاءه يطالبون منذ الآن برفض أي قرار من هذا النوع وعدم التعاون معه.
وحتى ذلك الحين، لعله من الافضل للحكومة ان تعمل لدنياها كأنها تعيش أبدا، ولآخرتها كأنها تموت غدا.