إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

بأسف، اللبنانيون هم ألدّ أعداء أنفسهم! - خلف أحمد الحبتور (النهار)

طوال حياتي كنت معجباً بقدرة اللبنانيين على النهوض سريعاً من أزمات كان من شأنها أن تشل تقدم أي من البلاد الأخرى لعقود متوالية لو حدثت فيها. الحرب الأهلية والاجتياحات والصراعات والتناحر السياسي الداخلي، كلها أمور ابتلي بها لبنان لعقود. وعلى الرغم من التكلفة الباهظة التي دفعها من أرواح أبنائه فإن عزيمة الشعب اللبناني ظلّت عصية على التدمير.
لبنان، هذا البلد الصغير المطل على مياه المتوسط، من المفترض نظرياً أن يكون محط حسد الجميع. كما أن مقوماته تؤهله ليكون أفضل البلدان في الشرق الأوسط، من طبيعة غنية وجميلة ومتنوعة وشعب متعلم ومبادر ومحب للحياة إلى مدى بعيد لا حدود له. ولكن هذه العوامل بعينها، للأسف، تحرم لبنان الافادة من هذه المقومات التي أكرمه بها الله.
شغفي العميق والقديم بلبنان يعرفه القاصي والداني. ومنذ أول مرة زرت لبنان في السبعينيات شعرت برابطة خاصة تجمعني بشعبه الودود والمضياف، الذي كان له إسهامه الكبير في الحضارة الإنسانية والذي أثبت مراراً وتكراراً تضامنه مع قضايا أشقائه العرب.
وحين تحط بي الطائرة في مطار رفيق الحريري الدولي يراودني دائماً شعور "العائد الى الوطن"، على نحو ما أحس به كل مرة اعود بها إلى الإمارات العربية المتحدة.
وإيماني الراسخ بهذا البلد الرائع هو الذي كان الدافع على الدوام وراء رغبتي في الاستثمار فيه بقوة، لمستقبله وليس من أجل الأرباح المتوقعة. نعم، أنا رجل أعمال، ولكن هذا لا يعني أن عواطفي قد لا تقودني في بعض الأحيان. ولهذا، ولكوني إنساناً يخالجه حب أصيل للبنان، أجد أن من واجبي أن أشير إلى الأخطاء التي تعوق مسيرته نحو تحقيق مكانته المستحَقة.
أولاً، تجب إعادة النظر في نظام الحكم في لبنان، القائم على المحاصصة، حيث توزع السلطات السياسية فيه بين الطوائف وفقا لتعدادها السكاني. هذا النظام أبعد ما يكون من جَمْع شعب لبنان المتنوع تحت راية واحدة، وهو إنما يستديم الحال الطائفية، ويمنع أكثر الكفايات المناسبة لشغل المناصب العليا في الدولة عن الوصول إليها. إن اللبنانيين يتميزون بوطنيتهم، واعتزازهم بهذا الانتماء الوطني، غير أن نظاماً مصمماً لتوحيدهم تحت رايات دينية مختلفة لا يسهم في إضعاف الوحدة الوطنية فحسب، بل يضعف المبادئ الديموقراطية المحضة.
ثانياً، لبنان دولة صغيرة يزيد عدد سكانها بقليل عن أربعة ملايين نسمة، ولهذا، عليه أن يعتمد سياسة الحياد، شأنه في ذلك شأن سويسرا التي حافظت على سلامتها على الرغم من اندلاع حربين عالميتين. لقد ضحى اللبنانيون بما يكفي حتى الآن، وحان الوقت للدول الأخرى لتتوقف عن استخدام الأراضي اللبنانية ميداناً للاقتتال وشن حروب بالوكالة تركت آثاراً مدمرة على الشعب اللبناني، فيما ظل مواطنوها محميين من أي عواقب سلبية عملياً.
ثالثاً، على كل الساسة اللبنانيين دونما استثناء، الاهتمام أولاً بمصالح بلدهم، من دون الرجوع إلى القوى الأجنبية المتصارعة التي لا ينبغي أن يكون لها أي كلمة في تحديد سياساته الداخلية أو الخارجية. وطالما بقي هناك مسؤولون ووزراء ونواب يقبلون الإملاءات الخارجية فسيبقى لبنان متأثراً بقرارات تتخذ في عواصم بعيدة عنه.
رابعاً، صحيح أنه من الطبيعي أن تكون للساسة آراء متباينة - وهذا ما يحدث في كل مكان في العالم -، غير أن مثل هذه الاختلافات في لبنان تصبح مادة لسجالات عدائية بدلاً من الجدالات المنطقية. هذه المساجلات العدائية غالباً ما تعرض للعامة عبر شاشات التلفزيون حيث يشن بعض الساسة هجمات شخصية على بعضهم الآخر، ولا يشعرون بالغضاضة في استخدام لغة جارحة. ومثل هذه المهاترات الحامية تقضي على مصداقية أولئك المشاركين فيها، ولهذا يجب أن تتم بعيداً عن الأضواء، أو في جلسات نيابية مغلقة.
لا أفهم السبب وراء عجز ساسة لبنان عن مقاومة رغبتهم في نشر آرائهم علناً على العامة، بغض النظر عما إذا كانت هذه الآراء مضرة بمصالح البلاد الأمنية والاقتصادية. كما أعجز أيضاً عن فهم وجود هذا الكم الهائل من "الخبراء" الجاهزين دوماً للخروج على شاشات التلفزيون دونما تمييز لتقديم آرائهم في حوادث مثل سقوط طائرة الخطوط الجوية الإثيوبية فيما هم ليسوا أصحاب خبرة تقنية أياً كانت.
الإعلام اللبناني مستعد دائماً لتوفير منصة لمن لا يعرفون شيئاً، ولبعض الساسة الذين لا همَّ لهم إلا كسب الشعبية عبر التحريض والإثارة. كلنا مع حرية التعبير، ولكن ما يفعله المعلقون هو تدمير بلدهم بتوقعاتهم المخيفة عن حرب محتملة قريباً بناء على مجرد شائعات، وهذا شيء آخر ينبغي لجمه بشدة. وإن لم يكن الإعلام قادراً أو مستعداً لأن يتصرف بمسؤولية فيجب على السلطات أن تتدخل.
الثقة والاستقرار هما الأساسان اللذان ينبغي للبنان حمايتهما من أجل جذب الاستثمارات والسياحة الخارجية، وهما أمران بالغا الأهمية لاقتصاده. وغيابهما أسفر عن بقاء الفنادق نصف فارغة هذا الصيف. صحيح أن اللبنانيين المغتربين يعودون بكثرة لقضاء إجازاتهم في لبنان، وهذا أمر مفرح، ولكن، بالإضافة إلى المغتربين، أين هم السياح والزوار من أصحاب معدلات الإنفاق الكبيرة من الدول العربية وغيرها؟ أين هم المستثمرون الأجانب من أصحاب الأفكار لمشاريع جديدة والمهتمين بالبحث عن الفرص الاستثمارية وشراء العقارات؟
يؤسفني القول إن اللبنانيين هم ألد أعداء أنفسهم، وإن لبنان هو مثل "جمل هجره أهله ورسنه على ظهره"، كما يقولون. والأمر في انتظار السلطات الدستورية والحكومة لتبدأ بممارسة دورها في المراقبة والتدخل حين الضرورة للجم هذه العناصر المسيئة مهما كان مركزها ونفوذها.
فلبنان قادر على أن يكون، بل ويجب أن يكون، "جنة الله على الأرض"، وقلبي مفعم بالأمل في أن تتوحد جهود الحكومة والشعب في لبنان في سبيل تحقيق هذا الأمل.

← العودة إلى مختارات