إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

سقوط بريطاني - ساطع نور الدين (السفير)

لم يكن ما تعرضت له السفيرة البريطانية في لبنان فرنسيس غاي ناجماً فقط عن ترهيب إسرائيلي أو إذعان بريطاني. ثمة ما هو أخطر وأبعد عن كل الكلام عن أن إسرائيل بحكومتها وسياستها ومجتمعها الحالي تحولت من ذخر الى عبء استراتيجي على حلفائها الغربيين الذين يتلمسون طريقهم في الحملة العسكرية والسياسية الراهنة على العالمين العربي والإسلامي، التي تضاهي الحملة الاستعمارية الأولى في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
لا بالعرف الدبلوماسي ولا الأخلاقي ولا حتى بالمعيار السياسي، ارتكبت السفيرة فرنسيس غاي خطأ في رثائها الشخصي الرقيق للعلامة السيد محمد حسين فضل الله، الذي عرفته عن قرب مثلما عرفه الكثيرون قبلها من السفراء البريطانيين في بيروت منذ مطلع الثمانينيات، ودأبوا على زيارته ومحاورته من موقع المختلف الذي لا يفسد للود والاحترام قضية، لكنه يحفظ قدراً طبيعياً من الفهم المتبادل، بين الرجل الذي لا يمكن اختصاره بالسياسة، ولا يمكن إنكار مرجعيته الواسعة، وبين الدبلوماسيين الذين يستكملون مهمات الرحالة او المستشرقين الأوائل.
وغالباً ما كان التوجه الى دار السيد الراحل، ليس فقط بالنسبة الى البريطانيين من دون سواهم من الغربيين، اشبه برحلة ثقافية في عالم مشرقي غني بإرثه الديني وعمقه الفكري، ازدادت اهميته وأولويته بعد هجمات 11 ايلول عام 2001 ، والحروب الانتقامية التي شنها الغرب على أفغانستان ثم العراق وأنحاء أخرى من بلاد العرب والمسلمين، والتي تطرح على الغرب عامة سؤالاً جوهرياً حول شروط انتقاله من المرحلة الثأرية الى المرحلة التفاعلية مع سكان تلك البلاد التي لم يكن الإرهاب الإسلامي نتاجها المنطقي ولا الطبيعي.
في خلفية هذا السؤال، صدرت إشارات سابقة توحي بأن الغرب عموماً والأميركيين والبريطانيين بشكل خاص سئموا من سلوك دولة إسرائيل تجاه الفلسطينيين وتحديها لمشاعر العرب والمسلمين ولمصالح الغربيين، ووجهوا أكثر من إنذار خفي الى الإسرائيليين بأن الوقت قد حان لكي ينضبطوا في الحملة الغربية ومتطلباتها ويساهموا في إنجاحها من خلال تقديم بعض «التنازلات» الكفيلة باحتواء التوتر الفلسطيني والاستياء العربي والإسلامي.
لكن يبدو أن الإنذار لم يصل، أو أن نتيجته كانت عكسية تماماً. فقد خرج الإسرائيليون في حملة مضادة شرسة تتخطى حماية «مكتسباتهم» السابقة، وتهدف الى المس بواحد من أهم محرمات الصراع، أي القدس وإنهاء عملية تهويدها والاستيلاء عليها، وحققوا نجاحات مذهلة على الجبهة الأميركية التي انهارت مؤخراً وسحبت خطاب الرئيس باراك اوباما المزعوم حول المصالحة مع العرب والمسلمين، وتراجعت عن جميع النداءات الخاصة بمنح الفلسطينيين بعض حقوقهم السياسية، مكتفية بالتركيز على واجب الإغاثة.
ما جرى مع السفيرة فرنسيس غاي، لا يخرج عن هذا السياق. ثمة جبهة بريطانية تتداعى بطريقة مشينة ولا أخلاقية، ولا تقيم حرمة لميت يعرف البريطانيون أكثر من سواهم مدى اعتداله وانفتاحه، مثلما يعرفون أن الحكومة الإسرائيلية الحالية، وبالتحديد وزارة الخارجية التي كانت مصدر الحملة على السفيرة، هي اشبه بتجمع للمعتوهين الذين لا يمتون بأي صلة الى الدبلوماسية ولا حتى السياسة.. لكنهم ما زالوا قادرين على تغيير السياسة الخارجية البريطانية وأبسط قيمها الانسانية.

← العودة إلى مختارات