«أبناؤنا» رقميون! -سحر مندور (السفير)
مؤتمرات كثيرة تعقد لتعالج موضوع القراءة الالكترونية، فتنتقدها وتعتبر أن بطولة القراءة لا تكون إلا بكتاب ورقي.
يصب هذا الحديث في النهر الطويل من السنوات التي صُرفت على نعي القراءة والبحث عن سبل للترويج للكتاب.
نسب القراءة متدنية جداً في العالم العربي، قالوا. وقالوا أيضاً أن الكتاب يحتضر. لا القراءة ازدادت، بفعل كثافة «النق»، ولا الكتاب بُعث. ومع ذلك، لا الكتّاب انقرضوا، ولا القراء ندروا.
النسب متدنية، كتدني ميزانية وزارة الثقافة، وكعجز المدرسة الرسمية، وكنقص المياه الصالحة للشرب، وكحدّة التلوث في المواد الغذائية، وككل شيء آخر متدني المستوى في هذه الحياة.
لكن، كثافة «النق» على الكتاب جعلت القراءة بدورها أقرب إلى «القصاص»، وجعلت من التلميذ الذي يهوى القراءة كائناً مملاً بالنسبة إلى رفاقه.
عندما دخل الكومبيوتر إلى البيوت، كانت السرعة هائلة في إضافته إلى لائحة «الممنوعات» لصالح الكتاب. بات صديق التلفزيون في تلقي النقد. لا للكومبيوتر، بينما الكوكب كله مضطر لفتح ساعديه للكومبيوتر. الممانعة ليست في محلها هنا، فالثورة الرقمية قد تمت، واستقرت، وباتت السيدة الحاكمة، بالكاد تلقي من عليائها نظرة استفسارية على الناقدين، وربما لا تلقيها أحياناً.
ثم مرّ الزمن قليلاً، فبات الكومبيوتر أقل «شرّاً»، وراح الحديث الناقد يشق لنفسه مجرى جديداً: الكومبيوتر نعم، لكن ماذا على الكومبيوتر؟ هناك المادة المفيدة، وهناك المادة غير المفيدة، لا بل الضارة، وعلى المرء أن ينتبه إلى ما يدخل «عقول أبنائنا، جيل المستقبل، بناة الوطن».
لن ينتبه المرء، لأن «أبناءنا»، على اختلاف الأجيال، لطالما وجدوا ما بحثوا عنه، ولم يفعل التطور إلا أن سهّل الوصول إلى الغاية، بغض النظر عن التقييم لهذا التسهيل. «البورنو» موجود منذ الأزل، وصناعته مزدهرة لكثافة الإقبال عليه، والألعاب مزدهرة، منذ كانت تشغّل على البطارية، وحتى أصبحت جزءاً من الكومبيوتر. وفيها ما ينمّي العنف (كأن العنف بحاجة إلى تنمية، هنا)، وفيها ما ينمّي الفكرة (إن ولدت في ذهنٍ يافعٍ، هل تضمن للولد إمكانيات رعايتها؟).
ثم يمرّ الزمن بحسم، مجدداً، وتهمد الأصوات، كأنها استسلمت للكومبيوتر، لكن لا. الاستسلام وهم. فكان «الانتصار للكتاب»، ضد القراءة الرقمية.
لكن، لماذا؟!
قالوا في المؤتمرات إن القراءة على الكومبيوتر سطحية، وإنها لا تنمي العقل، لا بل تطفئ شعلته المتوقدة، كما أنها وهمُ قراءة وليست قراءة فعلية، لأنها تشتت الأذهان، وغير مستقرة المستوى، ناهيك عن...
لكن، لماذا؟!
كلما وجد الحرف منفذاً إلى أعين «أبنائنا»، غير ذاك الذي وجده إلى أعين الآباء والأمهات، تُفرض المقارنة، وينتصر الماضي.
فالقراءة عبر صفحات الإنترنت على الكومبيوتر يمكن أن تكون أكثر حرية، لمن يشتهي الحرية في القراءة كبديل عن عالم واحد يقترحه كل كتاب. يمكن للولد أن يقرأ عن المونديال، مثلاً، ومنه، ينتقل إلى الدورة التي استضافتها جنوب أفريقيا، فنلسون مانديلا، فالفصل العنصري، ثم عودة إلى مارادونا، وقصة الأرجنتين، من قال إنها بمنأى عن عين القارئ؟! الإنترنت تتيحها في لحظة.
القراءة على الإنترنت تسمّى، عالمياً، «قراءة غير خطية». بمعنى أن القارئ لا يتبع سطراً فآخر يشكل تواليها مقطعاً، فرواية. القارئ أكثر حرية من السطر، والخط. القارئ قادر على صرف ساعة قراءة، بثلاث لغات أو أكثر أو أقل، حول مواضيع تدور حول الكرة الأرضية، مرة تلو الأخرى، وتستقر في ذهنه. وقد لا تستقر، لكنه يعرف أنه، متى احتاجها، سيجدها. فهي «على الإنترنت»!
بناء على ما تقدم، يرجى من ذوي النظرة النقدية إلى القراءة على الإنترنت، أن يهدأوا قليلاً قبل الانتصار للكتاب، بما يقفل منافذ القراءة إلى العين. صحيح أن المعكرونة سريعة التحضير وليست أكثر الوجبات صحية، لكنها موجودة لسبب، ولحاجةٍ إليها.. ولولا ذلك، لما كانت طبقاً يزور مائدة كل منزل، مهما بالغ في تحيّزه لورق العنب المحشي.