إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

منافسة تركية - إيرانية - حسان حيدر (الحياة)

تتصرف تركيا، ومثلها إيران، على أساس أن الانسحاب الأميركي من العراق يعني نهاية دور الولايات المتحدة في المنطقة، وتعتبران أن الفرصة مناسبة لملء الفراغ وترتيب الوراثة، لكن العقبة الوحيدة الرئيسية أمامهما هي إسرائيل، إذا ما استثنينا بعض الممانعة العربية. ولهذا تحاول كل منهما «إخضاع» الدولة العبرية، لكن بأسلوب مختلف عن الأخرى.

وللحقيقة فإن «الهجوم» على الطريقة التركية يعطي حتى الآن نتائج أفضل، كونه يعتمد، على رغم الطابع الناري الذي يطغى على خطاب القادة الأتراك هذه الأيام، على الديبلوماسية والعلاقات الدولية والدور الاقتصادي والاعتدال السياسي والديني وضبط الانفعالات ودغدغة شعارات أوروبا عن حقوق الإنسان ومماشاة رغبة الأميركيين في أخذ «استراحة» عبر تهدئة في المنطقة، ولهذا فإن الأتراك يطبقون على إسرائيل من جهات مختلفة، ويحاصرونها سلماً، ويحرجونها دولياً، علها تقبل بالخضوع لـ «القيادة» التركية التي تقدم لها ضمانات بقبولها في المنطقة عبر وعود بتحويل الشرق الأوسط الى «جنة» تقوم على اعتراف متبادل ومبادلات اقتصادية واسعة، شرط أن تستجيب مطالبهم وتلتزم حدود الدور الذي يرسمونه لها، مع ما يعنيه ذلك من تقليص للمبدأ الأساس الذي قامت عليه، أي القوة العسكرية الناجزة.

أما الإيرانيون فيعتمدون مقاربة مختلفة تقوم على «الكي» التدريجي، عبر رعاية جبهات عنف تحيط بإسرائيل، في لبنان وفلسطين، وربما في أماكن أخرى مرشحة للحاق بها، تخوض بها مواجهات محدودة، لكنها تنقلها في كل مرة الى مرحلة أعلى من التسليح والتهديد، بهدف «إقناع» إسرائيل بخطورة مواصلة رفضها الدور القيادي الإيراني في المنطقة. وحتى الآن يناسب الأسلوب الإيراني عقلية الإسرائيليين وعقيدتهم، فيردون برفع مستوى العنف والتهديدات وتوسيع مداهما، ويستخدمونه ذريعة لكسب تأييد العالم الممتعض أصلا من التمرد الإيراني على معاييره.

وتتنافس تركيا وإيران على النفوذ في الدول المحيطة بإسرائيل. وتنسج كلتاهما علاقات مميزة مع سورية. وفي لبنان تقدم الأولى رعاية سياسية للسنّة وتعتبر الثانية الشيعة فيه جزءاً من أمنها. وتحاولان التسلل الى النسيج الاجتماعي والسياسي في مصر، عبر المعارضة في شكل عام و «الإخوان» في شكل خاص، وتسعيان الى تثبيت تأثيرهما في العراق، ولو على تفاوت. أما ساحة المنافسة المحتدمة حالياً فهي غزة، حيث تؤمن طهران الصواريخ والتمويل والتدريب للحركات «الجهادية» وتحرض على استمرار المواجهات العسكرية على هزالها، فيما ترسل أنقرة المساعدات والدعم السياسي وتسعى لفك الحصار ونقل حركة «حماس» الى حيز السياسة.

وبين هذين الاندفاعين التركي والإيراني الى المنطقة، يبدو معظم العرب مغلوباً على أمره، يكتفي بدور المتفرج، فيما يتحمس البعض الآخر لهذا المعسكر أو ذاك من دون قدرة فعلية على التأثير. ولعل «المعركة» التي تخوضها طهران لتكريس اسم «الخليج الفارسي» وقول أردوغان في خطابه الأخير إن تركيا «ليست كدول المنطقة الأخرى، وليست دولة قبيلة» يلخصان رؤية البلدين الى العرب ودورهم.

يبقى أن الولايات المتحدة، وعلى رغم أن استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي تدعو الى «صوغ نظام دولي جديد يعكس واقع القرن الحادي والعشرين» وعلى «فتح قنوات العمل والانخراط مع قوى جديدة وصاعدة»، والتي فهمت على أنها نكوص أميركي عن التدخلات الخارجية، لم تصل الى حد التخلي عن إسرائيل وتركها وحيدة في مواجهة طموحي أنقرة وطهران.

← العودة إلى مختارات