صورة أوباما اللبنانية - ساطع نور الدين (السفير)
الصور الودية التي وزعت عن اللقاء بين الرئيس الأميركي باراك أوباما وبين رئيس الحكومة سعد الحريري، كانت أدق وأوضح من البيانات والتصريحات الرسمية التي صدرت في أعقاب المحادثات الأميركية اللبنانية، وأبعد أثراً، لأنها كانت تعبر عن موقف أميركي لا يمكن لإسرائيل ان تخطئه ولا يمكن لسوريا ان تتجاهله ولا يمكن لإيران ان تغفله... لكنه حسب تجربة لبنان التقليدية مع الأميركيين لا يمكن أن يدوم طويلاً، ولا يمكن أن يصمد كثيراً إذا ما قررت الدول الثلاث، أو إحداها على الأقل، تحدي أميركا او الشغب عليها.
الصور جذابة لكنها لم تكن مطمئنة أبداً. وهي لا تختلف كثيراً عن تلك التي التقطت في البيت الأبيض لكثيرين من حلفاء أميركا اللبنانيين الذين تلقنوا دروساً قاسية فور عودتهم من تلك الرحلات الى العاصمة الأميركية، حتى أولئك الذين حالفهم الحظ بلقاء الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الذي لم يكن يشق له غبار في العالم العربي والإسلامي طوال فترة حكمه التي دامت ثماني سنوات وكانت واحدة من أسوأ التجارب التي مرت على العرب والمسلمين جميعاً.
ولا يمكن لأحد أن يزعم أن الرئيس الأميركي الحالي هو الآن أقوى وأكثر مهابة ونفوذاً من سلفه السيئ الذكر، لا في تعامله مع إيران ولا في تعاطيه مع سوريا ولا طبعاً في تواصله مع إسرائيل التي نجحت في ترويضه وابتزازه أكثر من جميع أسلافه، وفي تعطيل مشروعه السياسي الهادف الى تحقيق المصالحة مع العالمين العربي والإسلامي، والذي انحدر الى مستوى تنظيم مفاوضات إسرائيلية فلسطينية غير مباشرة مثيرة للسخرية في رام الله أكثر من القدس المحتلة.
مع ذلك فإن الصور لا تحكي عن ود شخصي بين رجلين يتعرفان على بعضهما البعض، بل ايضاً عن مظلة سياسية يوفرها أوباما الى لبنان، ويبلغ بواسطتها الحكومة الإسرائيلية بالكف عن قرع طبول الحرب على البلد الصغير الذي سبق ان تعرض في عهد سلفه بوش لضربة عسكرية إسرائيلية مؤلمة، ما زالت آثارها بادية على اللبنانيين جميعاً. هكذا وصلت على الأرجح الرسالة الى الإسرائيليين: الرئيس الأميركي لا يريد حرباً جديدة على لبنان، ولن يكرر موقف بوش الذي أدار بنفسه حرب تموز عام 2006، واعتبرها تأديباً لإيران.. التي يبدو الآن أنها لم تعد بحاجة الى عقاب، بعدما سلمت بخفض سقفها النووي.
الاعتماد على نفوذ اوباما وهيبته على إسرائيل لا يدع مجالاً للشك في أن لبنان سيبقى في دائرة الخطر. والتجربة تقتضي عدم استبعاد لجوء حكومة بنيامين نتنياهو بعد مشاهدتها الصور التي وزعها البيت الأبيض عن اللقاء اللبناني الأميركي المثير ايضاً في توقيته، الى تحدي الرئيس الأميركي أو اختباره على الجبهة اللبنانية، تماماً مثلما فعلت قبل اشهر فقط عندما تحدته على المسار الفلسطيني، وتمكنت من تحقيق الغلبة عليه.
مع التقدير لنيات أوباما الحسنة تجاه لبنان، فإن الحكم على صوره الودية مع الحريري، سيضم الى ألبوم لبناني ضخم يخاف اللبنانيون من فتحه، وينظر اليه الآخرون شزراً...