تراجع احتمالات "الحرب" على لبنان ؟ - سركيس نعوم (النهار)
تفيد المعلومات الواردة من واشنطن على عدد من الرسميين اللبنانيين المعنيين وعلى بعض الجهات الديبلوماسية الاجنبية العاملة في بيروت ان احتمالات اقدام اسرائيل على شن حرب على لبنان و"حزب الله" الجيش الأقوى فيه أو بالأحرى على توجيه ضربة عسكرية كبيرة اليهما في الاشهر القليلة المقبلة قد تراجعت بنسبة ملحوظة. لكنها تفيد في الوقت نفسه ان هناك غالبية واضحة داخل اسرائيل المدنية والسياسية والامنية والعسكرية وربما الحكومية لا تزال مع خيار الحرب أو الضربة المذكورتين، الا انها عاجزة حتى الآن ورغم اكثريتها عن اتخاذ القرار النهائي بتنفيذ أي من الاثنتين. وأسباب عجزها كثيرة أبرزها اثنان: الأول، اقتناع الغالبية المؤيدة للحرب أو الضربة، كما الاقلية المعارضة لهما، بأنهما سيتسببان لاسرائيل، وبغض النظر عن النتائج النهائية لهما، بأضرار فادحة جداً في مجالين اثنين: الأول، الاضطراب الشعبي الكبير الذي لا بد من ان يحصل داخل اسرائيل أثناء تنفيذ الحرب أو الضربة. ذلك ان "حزب الله" الكبير العدد والقوي التسليح والكبير الثقة بالذات والقوي العزيمة وصاحب الخبرة في إلحاق الهزيمة بالجيش الاسرائيلي أو بمنعه من تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية لحكومته، لن يقف مكتوفاً حيال العدوان. وانما سيستعمل كل أسلحته وفي مقدمها ترسانته الصاروخية ضد أهداف عسكرية ومدنية اسرائيلية. كما انه لا بد ان يستهدف بناها التحتية. ومن شأن ذلك ان يدفع نحو مليون اسرائيلي، استناداً الى احصاءات واستطلاعات اميركية واسرائيلية، إما الى النزوح عن "مواطنهم" وإما الى النزول الى الملاجئ. والشعور الذي يكوّنه ذلك معروف، هو الخوف، وهو الاحباط جراء فقدان الثقة المفرطة بالنفس والقدرة العسكرية والقلق على المستقبل باعتبار ان الانتصارات لم تعد مؤكدة كما ان الانكسارات لم تعد مستبعدة رغم استبعاد تأثيرها على "الكيان الأصلي" لدولة اسرائيل. أما المجال الثاني، فهو حجم الخسائر البشرية، الذي تقدره الاحصاءات أو الاستطلاعات المشار اليها بنحو عشرة آلاف اسرائيلي بين مدني وعسكري. علماً ان هذا الحجم قد يتضاعف اذا كانت الحرب الاسرائيلية شاملة، أي براً وبحراً وجواً وبكل أنواع الأسلحة، ذلك ان الحزب الذي يمتلك جيشاً "عصاباتياً – نظامياً" في آن واحد سيخوض حرباً يبرع فيها، هي حرب العصابات في الداخل اللبناني والحرب النظامية باطلاقه الصواريخ على مدن اسرائيل وقراها. ويبدو أن هذا الحجم من الخسائر البشرية بحدّيه الأدنى والاقصى لا يزال غير مقبول من الاسرائيليين على تناقض انتماءاتهم ومشاعرهم حيال "الحزب" والفلسطينيين ولبنان والعرب والمسلمين عموماً. اما السبب الثاني لعجز اسرائيل عن اتخاذ قرار بحرب، الآن أو في مستقبل قريب فيعود، ودائماً استناداً الى المعلومات المشار اليها اعلاه، الى اقتناع اميركا بأن حرب اسرائيل على لبنان كما توجيهها ضربة عسكرية الى ايران سيكونان، منفردين أو مجتمعين، مؤذيين لأميركا ولمصالحها في العالم ولا سيما في الشرق الأوسط والعالمين العربي والاسلامي.
وفي هذا المجال يشرح باحثون ومتابعون في وقت واحد للأوضاع في المنطقة والعلاقة الاسرائيلية – الاميركية فيقولون ان اميركا تعتبر ان توازن القوى غرباً، اي بين اسرائيل والدول المحيطة بها (غالبيتها معادية لها) لا يزال مستقراً وإن نسبياً، وانها تصر على ان يبقى كذلك، وخصوصاً بعدما تزعزع استقرار توازن القوى في الوسط، أي بين العراق وايران، وبعدما تزايد احتمال تهديد استقرار توازن القوى شرقاً، اي بين الهند وباكستان جراء حرب افغانستان والمشكلات المزمنة بينهما، بل العداء المزمن. وهذا يعني ان اميركا التي تعتبر اسرائيل مفيدة جداً لها أو من أصولها الثمينة والقيمة (ASSET) لا تريدها ان تزيد مصاعبها المتنامية في المنطقة. ولا تريد في الوقت نفسه أن يزول التوازن بينها وبين العرب فتصبح هي القوة المهيمنة الوحيدة، أو يصبح العرب قوة كهذه، لأن ذلك لا بد من ان يهدد مصالحها الحيوية والاستراتيجية. طبعاً تعرف اميركا أن المساعدة التي تستطيع ان تقدمها إسرائيل لها في مناطق التوازنين الوسطى والشرقية ضئيلة جداً، لكن مساعدة اسرائيل لها في منطقة التوازن غرباً، من خلال ابقائها مستقرة وإن في الحد الأدنى، مطلوبة ومرحب بها. ذلك ان الإحجام عنها بواسطة إغراق المنطقة في حرب أو حروب وخصوصاً اذا رافقها تدهور في اوضاع مصر وحتى في اوضاع الاردن لا بد من ان يؤثر على منطقتي التوازن الأخريين. ولا بد من ان يؤثر سلباً على اميركا وخصوصاً انها الآن في مرحلة الاستخدام الاقصى لقوتها المتنوعة. وفي اختصار ما تريده اميركا من اسرائيل الآن هو شيء واحد: عدم جعل مهمتها في مناطق التوازن الثلاث المسماة اعلاه اصعب مما هي عليه حالياً.
هل تستجيب اسرائيل لهذا الموقف الاميركي؟ وهل تَراجُع احتمالات حرب اسرائيل على لبنان نهائي؟