إيران تكتب تاريخاً - ساطع نور الدين (السفير)
انتهت أزمة البرنامج النووي الإيراني، وبدأت عملية تسوية الأزمات التي رافقته منذ البداية، وتفاقمت طوال السنوات السبع الماضية، حتى اتخذت شكل حروب غير مباشرة، كانت أبرزها الحرب الاسرائيلية على لبنان في تموز العام 2006 وعلى غزة في كانون الاول العام 2008.
النهاية بائسة وعاقلة في آن معا. هي أشبه بإعلان الفشل التام لطهران التي قررت في العام 2003 استئناف عمليات تخصيب اليورانيوم وبناء مفاعلات نووية متعددة وإنتاج أجهزة طرد حديثة، لكنها أخفقت طوال هذه المدة الطويلة في تخطي حاجز الـ3,5 في المئة من التخصيب، وهو الحاجز الذي يقف عنده في العادة الأكاديميون والطلاب الجامعيون في سعيهم الى اكتساب المعارف الذرية الأولية. وهي أشبه بالإعلان المدوي عن ان كل ما أثير من عواصف حول البرنامج النووي الايراني، وساهم بعض المسؤولين الايرانيين في إثارتها، لم تكن سوى نفخ في الرمال ومضيعة للوقت والجهد الذي كان يبذل للتفاوض مع الغرب حول صفقة سياسية مشرفة تشمل الطموحات الإيرانية غير النووية.
لكنها نهاية عاقلة، تحمي في المقام الاول أرواح أكثر من ثلاثة ارباع مليون ايراني مصابين بالسرطان ويعتمدون على النظائر المشعة التي ينتجها مفاعل طهران، المهدد بالتوقف عن العمل مع نهاية الشهر الحالي، ما لم يتلق اليورانيوم المخصب بدرجات عالية، وتؤكد ان القيادة الايرانية ليست خرقاء كما يبدو من تصريحات بعض مسؤوليها السياسيين، ولا هي انتحارية كما يبدو من بعض مواقف قادتها العسكريين الذين كانوا حتى الأمس القريب يجرون مناورات متلاحقة لكي يعلنوا عن إنتاج طائرات وصواريخ وسفن لا يمكن ان تصمد في اي حرب جدية مع نصف مليون جندي اميركي يحيطون بإيران من كل جنب!
سحبت طهران من التداول تلك الذريعة الغربية التي كان يفتعلها الغربيون لعدم التفاوض معها، مع علمهم المسبق والأكيد بأن برنامجها النووي ما زال بدائيا، ولم ولن يصبح عسكريا بأي حال من الاحوال، وهي ذريعة موروثة من حقبة الرئيس الاميركي السابق جورج بوش الذي اعلن ايران في محور الشر برغم انها كانت شريكا في محور الخير الذي شكل في اعقاب هجمات 11 ايلول 2001.. وكان الغرض منها إبقاء النظام الإيراني تحت التهديد او السيطرة وعدم الاعتراف بشرعيته الداخلية ومصالحه الخارجية.
الآفاق التي فتحت أمس غير محدودة لا بالزمان ولا بالمكان، وهي اشبه بنقطة تحول دولية تاريخية. الطريق اصبحت سالكة لتلك الصفقة او المصالحة الاميركية الايرانية التي يتوق اليها الشعبان، والتي ترسم الحدود لسنوات او ربما لعقود مقبلة بين واشنطن ومشروعها العربي والاسلامي وبين طهران ودورها في ذلك المشروع الذي لا يزال في بداياته الاولى.. ولن يعطله تهديد اصولي ينتمي الى الماضي ولا صراخ اسرائيلي استخدمه الاميركيون انفسهم من اجل الوصول الى هذه النتيجة الايرانية الايجابية.
هو مكسب سياسي باهر للرئيس الاميركي باراك اوباما، تلقاه مثل هدية ثمينة من طهران، التي يرجى ان لا تنسى حلفاءها الذي خاضوا معها، وعنها أحيانا، تلك المواجهة الضارية وغير الضرورية حول برنامجها النووي على مدى السنوات السبع الماضية.