ملاحظات في الحالة العراقية - هاني فحص (السفير)
1- الإعلام ليس كلاماً عالي النبرة فقط... إنه فكر نيِّر لمّاح وعميق النبرة سواء علت هذه النبرة أم كانت هادئة. بل إنها تكون أفعل عندما تكون أهدأ... والنبرة الهادئة والأداء الإعلامي العلمي من شأنهما أن يغيّرا عميقاً في الرأي الآخر... من شأنهما أن يجعلا الحقيقة ملتقى للباحثين عنها، فإذا ثبت أن الآخر لا يبحث عن الحقيقة وقع في فضيحة وانهزم من دون أن يلوث المتكلم الحكيم لسانه بدم خصمه.
الإعلام صبر على الرأي الآخر وتنفيذ هادئ لعناصر هذا الرأي... أما المقاطعة على الفضائيات والصراخ والشتيمة فهي تنقلب على فاعلها. وعندما يرتضي مسؤول كبـير أو صغير أن يحاور أو يساجل فلا بد أن يلتــزم بأدب الحوار والسجال، وإلا فإن في إمكانه أن يرفض ويريح ويستريح. أرجو أن تكون الوجوه التي تطلّ على الفضائيات للحوار في شأن العراق في مستوى الدقة التي يقتضيها واقع العراق ومستقبله.
2- هناك مغرضون يعرفون الحقيقة ويحرفونها ويضعون مسؤولية العنف في العراق على عاتق مراجع الدين، من شيعة أو سنة أو غيرهم. لكن هناك المساحة الأوسع من الرأي العام في العراق وخارجه، مدعومة بوثائق وثيقة، تبرئ ساحة المرجعيات الدينية وذمتها من الدم الحرام. ومنذ اللحظة الأولى للتغيير الذي حصل في العراق حذرت هذه المرجعيات من إلصاق العنف بالدين أو المذهب وأدانت ودعت الى الحذر والامتناع عن الثأرية وعدم أخذ الحق أو القانون في اليد.
ولكن هل في إمكاننا أن ننكر أن العنف والإرهاب في العراق، كما في أكثر الحالات خارجه، يستند ولو زوراً وبهتاناً الى النص الديني أو المشاعر الدينية والمذهبية؟ ألا يعني ذلك أن المسألة موضوعة بشكل خطير جدا في عهدة الأديان والمذاهب؟ وهل يكفي ما أعددناه من أفكار ومسالك وعلاقات وفتاوى وثقافة لتغيير هذا الواقع الذي إذا ما استمر وتفاقم سوف يؤدي الى عزل أهل التقوى والرؤية والذمة والاحتياط في الدماء والأعراض والأموال؟
طبعاً الدولة القوية الجامعة هي الحل... ولكنها قد تتأخر أما اذا قمنا كمجتمع أهلي مع المراجع بعمل ناجع ومسؤول، فإننا نتفادى كثيراً من المآسي ونمهّد للدولة العتيدة.
3- لا خلاف في أن الســيد أياد علاوي قومي عربي وهو لا ينكر ذلك ابداً، ويقــدم نفسه أو يقدمه الآخــرون على انه بعثي سابــق، وقد دفع غالياً ثمن اعتراضـه على أداء النظام والحزب مبكراً. الى ذلك فإن قوميته تنفي عنه صفة التعصب المذهبي وتجـعله مقبولاً في اوساط سنية عربية مع قدرته على التواصل مع الأكراد وقدرة الأكراد على فتح الأبواب أمامه للتفاوض على مستقبل العراق، من دون أوهام، إلى ذلك فإن قلة ضئيلة من العرب الشيعة تتحسس من علاوي أو تصنفه خارج السياق الشيعي. إذن ومع اياد علاوي نحن امام قومي عروبي لا يتنصل من اسلامه ولا من تشيعه ولا يحمل عقيدة شوفينية ضد الاكراد... وهذا تركيب ليس فيه تناقض وإن كان قابلاً للاعتراض والنقد المنهجي.
والتناقض نجده لدى احزاب اسلامية، شيعية او سنية، تعلن اسلامها ولا احد يستطيع مؤاخذتها عليه او الشك في صــدقيتها، لكـنها في سلوكها السياسي سرعان ما تنكشف عن تناقض غريب، اذ يصبح الإسلامي الــكردي قومياً كردياً متعــصّباً أكثر من الأحــزاب القومية الكردية. كما يصبح الاسلامي العربي معادياً للأكراد أكثر من عـداء القوميين العرب لهم.
قد يجد القومي الشوفيني او المعتدل حجة في إظهار عدائه للقومية الأخرى، فهــل يجد الإسلامي في الإسلام ما يبرر هذا العداء إضماراً أو إظهاراً؟
اذا كانت العروبة سلالة فمن حق العروبي أن يعتبر السلالات الاخرى عدوة او مشاريع عداوة... هو حر في ارتكابه هذه الخطيئة. اما اذا كانت العروبة هي ثقافة وظيفة حضارية في الاسلام فإن الرئيس جلال طالباني عربي. فإذا ما كان كردياً عربياً فإنه تركيب جميل وحيوي مقابل الهوية الأحادية القاتلة.
([) تنشر بالتزامن مع مجلة «الاسبوعية» العراقية