إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تعديل معايير الأورو أو صَدْع الإتحاد - عصام الجردي (النهار)

فعلها الاتحاد الأوروبي ودول منطقة الاورو ولو متأخرا. 750 مليار اورو (440 مليارا من دول الأورو، 60 مليارا من المفوضية الاوروبية و250 مليارا من صندوق النقد الدولي) قيمة خطة دعم من قروض لدول منطقة الاورو التي تعاني مشكلات مالية وعجوزا. على الضفة الثانية من الأطلسي كان الرئيس الاميركي باراك اوباما على تواصل دائم مع المستشارة الالمانية انجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي في سباق مع الوقت لإقرار الخطة الاحد الماضي قبل افتتاح الاسواق المالية الاثنين بعد أن كانت قفلت الجمعة على تراجع مؤشراتها بنسب تجاوزت بعضها 11 في المئة. اي اعلى من تلك التي شهدناها في بداية انهيار الاسواق بعد شرارة الازمة المالية العالمية في ايلول 2008. اللافت كان التحرك السريع الذي قام به مجلس الاحتياط الفدرالي الاميركي بالتنسيق مع المصارف المركزية في كند واليابان وسويسرا وبريطانيا لانجاز خطة تدخل قوي لمد الاسواق بالدولار الاميركي قيمتها 30 مليارا لوقف المضاربات على الاورو، بعد ان بات الامر يشكل تهديدا اضافيا للمصارف الدولية.
تحرك الدول الصناعية السبع جاء انذارا للمضاربين استجابته الاسواق الى حين. ولا يعني ان المضاربين الذين وصفهم وزير مال السويد اندرس بورغ بـ"قطيع الذئاب" قد القوا سلاحهم. الشروط المالية للخطة الاوروبية لم تتضح بالكامل بعد، ولو ان شروطها المعيارية للتصحيح المالي واضحة للعيان.
الأسبوع الماضي أقر البرلمان اليوناني بصعوبة خطة تقشف قاسية شرطا للحصول على 110 مليارات أورو حزمة قروض مشتركة من دول الاورو وصندوق النقد الدولي (ستدخل من ضمن الخطة الجديدة) بأمل الخروج من أزمة مالية طاحنة تهدد اليونان بالافلاس وبانفراط عقد منطقة الاورو، ووضعت على المشرحة أيضا كيان الاتحاد الاوروبي. وأيقظت الأزمة النقابات العمالية في اوروبا، العريقة في نضالاتها، بعد تراجع دورها في صناعة القرار الاقتصادي، خصوصا في العقدين الأخيرين اللذين شهدا بامتياز سيادة مفاهيم اقتصاد السوق وآلياته.
واذا كان من السابق لأوانه الجزم في مستقبل الاتحاد النقدي الاوروبي وتداعيات الأزمة على الاتحاد ككل، في انتظار مستقر كرة الثلج المالية التي تعصف بأكثر من دولة في منطقة الاورو، فالمؤكد أن تاريخا جديدا كتب للعملة الموحدة في ضوء أزمة اليونان، ستستدعي إما إدخال تعديلات جوهرية على معاهدة الإستقرار والنمو المستوحاة من اتفاق ماستريخت، الذي يرعى معايير الإتحاد النقدي وشروط حيازة العضوية فيه، وإما انفتاح الأزمة على كل الإحتمالات.
من التجارب نقتبس، أن الأزمات تلبس أقنعة في زمن الوفرة وتنزع في زمن الشح والقلة. المعايير التي وضعت للاورو والوحدة النقدية كانت في مثاليتها أقرب الى المدرسية منها الى الواقعية. أهمها: 3 في المئة عجزا ماليا حدا أقصى الى الناتج المحلي. 60 في المئة دينا عاما الى الناتج. عدم تجاوز التضخم أكثر من 1.5 في المئة، أي متوسط معدل التضخم في الدول الأعضاء الثلاث ذات التضخم الأدنى. عدم تجاوز معدل الفوائد أكثر من 2 في المئة، أي متوسط الفائدة النموذجية (الأدنى) في الدول الثلاث الأعضاء. هذه المعايير مجتمعة "سلمية الى حد بعيد"، وتستبعد في طبيعتها أي نوع من الأزمات، وتحتاج بالضرورة الى معدلات نمو جيدة أو مقبولة حدا أدنى. تحتاج أيضا الى نظام ضريبي فاعل وشفاف. والى نسق متوازن بين السياستين المالية والنقدية في كل بلد من بلدان الاتحاد النقدي. والى منظومة من الشفافية التامة في البلدان المعنية لناحية المحاسبة والتدقيق والتزام المعايير المذكورة والإفصاح عنها.
خلاف ذلك فالقضية كبيرة تتجاوز المعايير الى المنفعة والضرر لهذا البلد أو ذاك. إذ أن حيازة عملة واحدة في بلدان تتفاوت ثرواتها، وأحجام اقتصاداتها ، ومعدلات نموها، ومستويات دخول الفرد في كل منها، مسألة شديدة الحساسية، وتعني أفضلية في غير مكانها لدولة ما لا تلتزم معايير العملة الواحدة، ولشعبها على حساب دولة أخرى وشعب آخر. العملة في النهاية مخزون للقيمة وللقوتين الشرائية والتحويلية، وعلى تماس بمستوى المعيشة والرفاه. ومن العبث ان تفضي "الأحلام الوحدوية" الى تنازلات على حساب المستوى المشار اليه. فكيف اذا كان الفريق المطالب بتقديم التنازل يملك أصلا شعورا بالتفوق الإقتصادي والسياسي؟
على أهمية قواعد الضبط في الوحدة النقدية، بيد أن معاييرها ربما افتقدت الى المرونة التي تتسم بها عادة الشؤون المالية والنقدية. فلا معدلات النمو كانت دائمة بمستويات قوية. ولا أنظمة الرقابة والمحاسبة والضريبة كانت فاعلة على الدوام. ولا الشفافية كانت مصونة كذلك. في حالة اليونان حصلت عمليات تدليس في إخفاء رقم العجز المالي كانت بترتيب من مؤسسة غولدمان ساكس الأميركية وبتواطؤ من الحكومة اليونانية السابقة التي رحلت في خريف 2009 قبل مجيء باباندريو على رأس الحكومة الحالية ليكتشف الأخير أن رقم العجز هو 13.7 في المئة الى الناتج وليس 6 في المئة. ونتحدث عن اليونان بعد، ولا نعلم ما هي حقيقة أرقام العجز المالي في بلدان أخرى على اللائحة مثل البرتغال واسبانيا وإيرلندا وقبرص. الشكوك تحوم أيضا حول العجز في إيطاليا وبريطانيا.
واجهت معايير الوحدة النقدية الاوروبية امتحانا عسيرا أمام الأزمة المالية والإقتصادية العالمية الاميركية المنشأ. خطط الحفز التي وفرتها الدول الأوروبية لحماية مؤسساتها المصرفية كانت على حساب المالية العامة والتضخم. وجه الغرابة، أن اليونان تُجْلد الآن على خلفية العجز المالي، وتفرض عليها خطة تقشف تمس أجور العمال والموظفين في القطاع العام، ومكتسبات مكرسة قانونا، كاقتطاع الشهرين الثالث عشر والرابع عشر إضافة الى ضرائب عامة وغير ذلك، بينما كان عتاولة الإتحاد النقدي والأوروبي كالمانيا وفرنسا وإيطاليا هي من بدأ في تجاوز معايير الوحدة النقدية في منطقة الاورو منذ 2001 وحتى 2065. وتمكنت الدول المذكورة من تفادي عقوبات عليها كما تفترض أنظمة المنطقة. رغم بقاء العجز المالي فيها فوق 3 في المئة الى الناتج نحو 5 سنوات تواليا. وكان ذلك قبل الأزمة المالية العالمية.
كلنا نذكر ما قاله الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي في تشرين الأول 2008 بعد اجتماع في باريس حضره رئيس الوزراء الإيطالي والمستشارة الألمانية بأن "الوقت اليوم ليس لمعاهدة الإستقرار والنمو بل للإنقاذ". المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر هو صاحب النظرية التي أطلقها في 2003 وتقول بجواز التسامح مع عجز مالي الى الناتج في حال كانت الغاية منه الانفاق على البحوث والتنمية. ماذا عن تجاوز معايير العجز والدين العام في حال الأزمات الكبرى؟ واضح أن هذا ما تتفادى ديوك الإتحاد النقدي الإجابة عنه في هذه المرحلة من الأزمة العالمية حتى ارغمت على خطة دعم تاريخية غير مسبوقة. مع ذلك، ففي الازمات الكبيرة وغير محدودة الأفق، فالقواعد هي انظمة الضبط وليس المال الظرفي حؤولا دون الانهيارات.
لا يوجد في معاهدة الإستقرار والنمو أيضا آلية لدعم الأعضاء في منطقة الاورو في حال الأزمات. ولا توجد آلية محددة للخروج من المنطقة والعودة الى العملة الوطنية. كل القواعد صممت لأحسن الأحوال كما أسلفنا. الخلفية كانت على فكر اقتصادي- سياسي تبعا للعولمة التي ضربت كل جوانبها الإنسانية والثقافية لحساب الليبرالية الجديدة واقتصاد السوق. الشراكة الاوروبية الوثيقة مع الولايات المتحدة في سياق العولمة جعلت من تداعيات الأزمة على اوروبا ومنطقة الاورو أقسى منها على الولايات المتحدة. وتم تجاهل حقيقة أن حدوث أزمة بهذا الحجم في زمن العولمة يعني عولمة الأزمة أيضا، بينما تحقيق النمو لا يعني بالضرورة عولمة المنافع والرفاه وتراجع معدلات الفقر والبطالة، كما كان يشاع ويحفظ عن ظهر قلب. فسنوات النمو الإقتصادي في مجموعة الدول الصناعية كانت مناوئة لفرص العمل وتخفيف معدلات الفقر. افتقار الدول المنضمة حديثا الى الوحدة النقدية الاوروبية الى التنافسية والبنى التحتية الكفية بالمقارنة مع دول أخرى شريكة جعل من وقع الأزمة أثقل.
كان لا بد لاكتمال عقد الوحدة النقدية من مصرف مركزي موحد. بيد ان المصرف المركزي الذي يحدد معدلات الفوائد الرئيسة لدول الاورو ويملك وحده حق التدخل في الأسواق، حد من قدرة الدول الأعضاء على تكييف سعر الصرف بما يتلاءم مع حاجات اقتصاداتها او معدلات النمو والتضخم لديها. في المقابل يواجه المصرف المركزي الأوروبي متاعب كبيرة للقيام بوظيفته لفقدانه السيطرة على السياسات المالية للدول الأعضاء التي بقيت في طبيعة الحال من مهمات الحكومات. ويستحيل على أي مصرف مركزي القيام بمهمتيه الأساسيتين وهما لجم التضخم بالسيطرة على المعروض النقدي، وحفز النمو بمعدلات فوائد ملائمة للإستثمار ما برحت السياسات المالية متفلتة. هذه هي الحال مع اليونان ومع دول اوروبية اخرى في منطقة الاورو. لتلافي هذه الإختناقات كانت معايير معاهدة النمو والإستقرار للوحدة النقدية.
نتفهم موقف ألمانيا المتشدد من دعم اليونان الذي قاد الموقف الاوروبي وقد تعددت دوافعه: التخوف من تكرار محتمل للمشهد اليوناني. والحصة الكبرى من القروض التي على المانيا توفيرها للدول الأعضاء. وتتهيب المستشارة انجيلا ميركل لأسباب سياسية إقناع الشارع الالماني بنفقات مالية في عز أزمة اقتصادية. وتنتظرها هي الأخرى لائحة مطالب نقابية طويلة. ولا تسقط من حسابها تنامي النزعات القومية اليمينية التي رفضت أساسا التخلي عن المارك الألماني وتناهض الإتحاد الأوروبي. مع ذلك وافقت المانيا على 22.4 مليار أورو حصة من أصل 110 مليارات قالت اليونان انها في حاجة اليها. يدفعها الى ذلك أيضا كون اليونان مدينة لمصارف المانية، كما هي الحال مع مصارف فرنسية. وقد تعهدت فرنسا تأمين قروض لليونان بواقع 16.8 مليار أورو. ولا يوجد بعد سند دين اوروبي موحد. السند الألماني هو قاعدة تسعير السندات الأخرى في منطقة الاورو. واليونان قد تحتاج الى ضعف المبلغ المعلن عنه حتى اذا نفذت خطة التقشف.
كلام كثير قيل عن أهلية اليونان لاكتسابها عضوية منطقة الاورو بعد سنتين فقط على انطلاقته في كانون الثاني 1999. وقد تخلت اليونان عن الدراخما أقدم عملة في التاريخ في مقابل الاورو. وبلغة المنطق كان من الصعوبة استيعاب بقاء أعرق دولة أوروبية حضارة وثقافة كاليونان خارج عملة موحدة لقارة حضارية مثل أوروبا.
لا بد من تعديل معاهدة الإستقرار والنمو في اتجاه أكثر مرونة، ومن ثم التشدد في تطبيق المعايير. ألمانيا وفرنسا تحوزان على رأس الإتحاد الاوروبي مكاسب معنوية كبيرة وعليهما دفع الغرم أيضا حين يستدعي الظرف الطارىء. فرط الوحدة النقدية قبل اكتمال عقدها إسفين في جسم الإتحاد الذي بات له علم وعملة. اندثار العملة يفقد الإتحاد نصف كينونته ويهدد بالعودة الى الكيانات. انما على قاعدة التنابذ هذه المرة.


(صحافي وكاتب اقتصادي)

← العودة إلى مختارات