إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

"الصحافة والحرب" - لماذا دعوتني إلى هذا المؤتمر يا مستر تيري أندرسون! - جهاد الزين -لكسنغتون-كنتاكي (النهار)

لم اكن اعتقد ان بالامكان عقد مؤتمر تدور معظم مداولاته حول الشرق الاوسط في جامعة اميركية كبيرة الحجم من حيث عدد طلابها ال25 الفا، هي جامعة كنتاكي والموجودة في مدينة في الجنوب الاميركي، هي مدينة لكسنغتون في ولاية كنتاكي حيث تقيم جالية يهودية (نشطة طبعا) من دون دعوة اي مشارك من اسرائيل.
ليس لدي جواب جاهز حتى بعد ان حضرت المؤتمر الذي كان تحت عنوان: "مؤتمر عن الحرب، الصحافة والتأريخ " بين 8 و12 نيسان الجاري والذي ما كنت لأحضره طبعا لو شارك اسرائيليون. لكن لم يحل ذلك دون ان اسعى لفهم سبب غياب اي مشاركة اسرائيلية.
فهل تتصل هذه "الظاهرة" ولو نسبيا بالاجواء الحالية السائدة في اوساط العديد من النخب الاميركية حيال العلاقات الاميركية - الاسرائيلية لاسيما بين النخب الاكاديمية في اميركا والتي قد تكون اكثر حساسية سلبية حيال السلوكيات السلبية التي تبديها حكومة اليمين الليكودي الاسرائيلي تجاه مطالب الحد الادنى لادارة الرئيس باراك اوباما الهادفة الى اخراج عملية السلام من مأزقها الحالي، السلوكيات التي بلغ بعضها درجة مهينة كما هو معروف؟
ام ان عدم وجود اسرائيليين بين الفئات الاربع: الديبلوماسيين، الصحافيين، العسكريين، الاكاديميين التي ضمها المؤتمر في مجموعته المحدودة العدد وذات الغلبة الاميركية البريطانية باستثناء حصري لمدير مكتب قناة "الجزيرة" في واشنطن وهو اميركي من اصل مغربي عربي ولصحافي لبناني ليس لديه مع الاسف الشديد جنسية اخرى هو... انا، هل سبب "استبعاد" اي اسرائيلي اذن ناتج عن نمط رؤية منظم المؤتمر بل عقله، الصحافي السابق الذي آذاه بعض العرب اللبنانيين عميقا وطويلا (لكنهم لم يقتلوه!) تحت التأثير السياسي المباشر للقيادة الايرانية في صراعها مع واشنطن خلال الثمانينات من القرن المنصرم الا وهو الرهينة الاميركي السابق الشهير تيري اندرسون عندما احتجز لمدة سبع سنوات وهو حاليا استاذ في كلية الصحافة و الاتصالات في جامعة كنتاكي، ومن موقعه هذا نظم المؤتمر بتكليف من الجامعة؟
ام ربما ولحد ما ساهم من ضمن الاسباب في الغياب الاسرائيلي وجود تمويل من عدد من المؤسسات العربية لبعض انشطة الجامعة؟ في ولاية باتت شهيرة عالميا بـ"صناعة" الخيول وسباقاتها ومن هذا الاهتمام تستقطب رساميل خليجية عربية الى مزارع جيادها المنتشرة حول لكسنغتون.
... وهل علي ان اضيف في هذا المجال التأثير الكبير لاحد اكبر المراسلين الغربيين في الشرق الاوسط روبرت فيسك على صديقه القديم تيري اندرسون وهو - اي فيسك - المقيم في بيروت والمعروف بمواقفه النقدية الشجاعة لا تجاه اسرائيل فقط بل ايضا لكل تناول الاعلام الاميركي لقضايا منطقتنا؟ حتى ان فيسك نصح ردا على سؤال وجهه اليه احد طلاب كلية الصحافة الحاضرين في احدى الجلسات بـ "عدم احتراف مهنة الصحافة في الولايات المتحدة الاميركية" لانه حسب تعبيره "لا يخبرونكم بشيء". وعندما قلت له لاحقا انه يبالغ كثيرا في هذا الموقف فلا يمكن الحكم بهذه الطريقة على الصحافة الاميركية والغربية رغم انحيازاتها الراسخة، بدليل وجود امثاله كمراسل لصحيفة "الاندبندنت" البريطانية تشمل نشاطاته تغطية اسرائيل نفسها التي يزورها –كما الاراضي الفلسطينية المحتلة – اجاب انه يعتبر نفسه محظوظا او ذا وضع حاصل على امتياز، فعارضته بأن تفسير وضعه يتعلق بجزء من "النظام" المهني الذي يتيح لكفاءة مثله ان تحتل مساحتها في التعبير الحر.
مجريات النقاش وضعتني في موقع آخر عندما كنت اشارك كمحاضر على المنبر الى جانب مدير مكتب واشنطن في "البي بي سي" البريطانية سيمون ويلسون والصحافي ومعد الافلام الوثائقية ستيف كونورز في جلسة تحت عنوان اميركي "ذاتي" هو: "كيف نغطي انفسنا؟ نظرة من الخارج". والمناسبة هنا تستلزم مني التذكير بان "روح" المؤتمر كانت تنعكس في انه فعليا حوار غربي - غربي واميركي - اميركي بين العسكريين والصحافيين والديبلوماسيين حول تجارب تغطية الحروب في الاعلام. وهذا ما دفعني لاقول لتيري اندرسون بمزيج من المزاح والجد انه "لا مكان لي ولنصف الزميل عبد الرحيم فقرا في هذا المؤتمر، انا لانني عربي وعبد الرحيم لانه من اصل عربي ولذلك كان يجب ان لا تدعوني اليه او ان تدعو عددا اكبر من الصحافيين من العالم الثالث".
هنا لا بد من التوقف عند ظاهرة ملفتة في نظرة الاوساط الغربية المعنية بالعالم العربي الى الاعلام العربي. فهو المؤتمر الثالث الذي احضره في بلد غربي ويكون موضوعه الاعلام او احد مواضيعه، و يتحول بمجرد وجود اي صحافي من قناة "الجزيرة" داخل المؤتمر الى حوار مع "الجزيرة" بل الى تقييم غربي لتجربة "الجزيرة" باعتبارها – بلا اي مبالغة – وكأنها تمثل وحدها الاعلام العربي! هذه شهادة اكيدة على درجة نجاح هذه القناة ولكنها ايضا علامة على قصور الاعلام العربي ولا سيما الاعلام المكتوب. حصل هذا في سالزبورغ في النمسا عام 2003 وفي وندسور في كندا عام 2009 وهنا.
بالعودة الى تلك الجلسة حول "النظرة من الخارج" الى تغطية الاعلام الغربي للحروب سألت سيمون ويلسون وهو عمل كمراسل لـ"البي بي سي" في القدس ماذا يستعمل كمصطلح بالانكليزية لوصف الجدار الذي اقامته وتقيمه اسرائيل هل يسميه fence (حاجز) ام wall (جدار)؟ قال احيانا اسميه حاجزا واحيانا جدارا. قلت ان التسمية السائدة في الاعلام الغربي و تحديدا الاميركي هي: حاجز وهذا ليس بريئا بالمطلق لان المطلوب من عدم تسميته جدارا الحؤول دون مقارنته بجدار برلين السيئ السمعة فرد سيمون ويلسون ان حائطي اسرائيل و برلين مختلفان تماما. ففي برلين كان يهدف لمنع الخروج الى برلين الغربية بينما في اسرائيل يهدف لمنع التسلل الى داخل اسرائيل. قلت هذا اختلاف تقني لا جوهري لان الاثنين يعبران عن نظرة امنية لقضايا الشعوب، التي هي ايديولوجية الحل بالقوة، وهذا ما لا ترغب اسرائيل بالتذكير به عبر الاثر النفسي السياسي لتعبير: جدار...
المشارك الثالث ستيف كونورز قال عندها ان الوظيفة سياسية للجدار وهي منع حل الدولتين واذا بنا نسمع عندها صوتا في القاعة يقول: انه جدار فصل عنصري. فالتفت الى مصدر الصوت لأسال لاحقا من هو وليتبين انه من اساتذة الجامعة الاميركيين. وليس بدون معنى طبعا في هذا السياق ان يكون الاستقبال الذي حظيت به الشخصية الفلسطينية المعروفة حنان عشراوي "اكثر حرارة واصغاء" بين الاساتذة والطلاب، حسب ما يخبرونك هنا في جامعة كنتاكي، من استقبال رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق ايهود اولمرت عندما استضافتهما الجامعة تباعا وفي فترتين متقاربتين في الاسابيع الماضية.
•••

في اليوم الثالث للمؤتمر وكان مخصصا بعد الظهر لندوة وحوار حول المقارنة بين السينما الروائية والسينما التوثيقية في علاقة كل منهما بالحرب (السينما التوثيقية كجزء من العمل الصحافي) حضر الممثل والمنتج الهوليوودي دايل أ. داي و كان تيري اندرسون دعا مجموعة قليلة من المنتدين الى غداء في احد مطاعم "الكاونتري" في احدى الضواحي البعيدة نسبيا عن المدينة. حول الطعام والنبيذ الشهيين دار حوار مثير بين تيري اندرسون والممثل دايل علمت من خلاله ان اندرسون رفض الموافقة على مخطوطة سيناريو لفيلم هوليوودي عن تجربته كرهينة اميركي في بيروت. دايل هو نقيب سابق في الجيش الاميركي خدم خلال حرب فيتنام وكان رئيس الوحدة العسكرية التي خدم فيها تيري اندرسون ولفتني عندما قدم لي بطاقته الشخصية انه لا يزال يعرف نفسه كنقيب متقاعد في "المارينز" وليس كممثل او كمنتج سينمائي، واخبرنا انه عمل كمستشار عسكري للمخرج الهوليوودي الشهير اوليفر ستون وشرح كيف حصل ذلك: "اتصلت به هاتفيا بدون معرفة وقلت له انت تحتاجني يا اوليفر! وهكذا اجتمعنا وبدأنا تعاونا طويلا". كان دايل في معرض دفاعه عن الطابع المثير لمخطوطة الفيلم يقول ان ليس من السهل الذهاب الى احد المصارف واقناعه بتمويل فيلم بثلاثين مليون دولار بدون اغراء بجذب الجمهور، والتفت نحوي فجأة بطريقة "دراماتيكية" وسألني: هل يحصل ذلك (التمويل) في لبنان؟ قلت: لم يحصل ولن يحصل بهذه الارقام.
عندها توجهت الى تيري اندرسون متسائلا عن سبب عدم حماسه لتحقيق عمل سينمائي يجب ان يساعد على عدم تكرار هذا النوع من استخدام التنكيل الفظيع بالابرياء في الصراع السياسي ايا تكن ضراوته فحتى الحروب يمكن احيانا الدفاع عنها لكن ليس خطف المدنيين، فرد ان ما يهمه فقط هو العلاقة الانسانية التي نشأت مع حراسه المباشرين خلال الخطف (واحد العناصر الذي كان يزوره بين وقت وآخر ويسأله: ماذا تريد يا تيري؟ فيجيبه: اريد تاكسي!). احد الحضور ايد موقف اندرسون الرافض للفيلم الهوليوودي بالصيغة التالية: "السينما هي الخيال لا الواقع وتيري يريد الواقع". على اي حال اذا عدنا الى الكتاب الذي كتبه اندرسون عن تجربته الهائلة تلك تحت عنوان "وكر الاسود"، والذي اهداني نسخة منه سرعان ما عكفت على قراءتها، لبدا منسجما مع نفسه منذ صدور طبعته الاولى عام 1994 في تركيزه على رواية "ما حدث " بأقل قدر ممكن من التحليل بل حتى من "السياسة" اذا جاز لي قول ذلك بكل تحفظ. ويجب ان يقال بكل تحفظ لسببين الاول هو ان الاحداث الشخصية حصلت في احد "الاوكار"-المناطق الاكثر عنفا سياسيا في العالم، والثاني لان الرجل دفع سبع سنوات غالية جدا من حياته بسبب "السياسة". ولكن الكتاب الذي يجب ان يدرس في كليات الصحافة كعينة عن حدود ومدى قدرة (او عدم قدرة) صحافي على صياغة تجربته بين الشخصي والعام، يحاول فعلا ان يركز على الحدث "الذاتي" بالقدر الممكن، مع عدد من التأملات الادبية والتقييمات للدين والاشخاص والحياة قبل الخطف وخلاله وبعده بينها احيانا "اشكالات" طريفة، كما في الحوار مع مخطوف آخر حول اثبات وجود الله او ما يمكن استنتاجه من عرض تيري اندرسون بأنه اثبات الرب لوجوده او عدم وجوده بالنسبة للمخطوف المسكين الآخر من زاوية ما اذا كان سينهي (الرب) خطفهما او لا!! ودون ان ينسى القارئ للحظة ان تأملات يائسة كهذه تحصل في وضع متهـم فيه عناصر من "حزب الله" بتنفيذه يومها، اي عناصر من "حزب الرب"، اذا كان لنا ان نعدل التسمية بالمصطلح المسيحي. مع التذكير المتكرر والطبيعي في الكتاب ان الجهة التي كانت تعلن منذ البداية احتجاز اندرسون وبعض الرهائن غيره هي "منظمة الجهاد الاسلامي". وسيكون من المفيد الاشارة هنا بدون اي تعليق الى ان اندرسون يروي ما قاله له خاطفوه في 4 كانون الاول 1991 لحظة ابلاغه بانه سيفرج عنه انه "تبين ان تكتيك الخطف عمل خاطئ ولا عودة اليه في الصراع الذي سيستمر بوسائل اخرى" مع الغرب.
بعد عودتنا الى لكسنغتون وفي الحوار العام الذي انعقد بعد الظهر في قاعة المسرح في الجامعة لم يكن السؤال الذي الح علي هو حول العلاقة بين الواقع والسينما الروائية فهذه مسألة متفاوتة وليست ذات جواب واحد لانه حتى هوليوود تقدم احيانا نمطا يوفق بين المخيلة التي تجعلها التكنولوجيا الخلاقة هائلة الجاذبية وبين الواقع السياسي الانساني والحياتي العميق، ناهيك عن ان مايكل مور استطاع ان يقدم نموذجا لافلام اميركية توثيقية قادرة على المنافسة الواسعة في السوق العالمية لهوليوود (يعتقد الممثل دايل ان الشرق الاوسط يحتل المرتبة الخامسة في هذه السوق). كان السؤال الملح قد اصبح بعد مداخلة المخرجة التوثيقية والصحافية موللي بينغهام والتي انجزت مع ستيف كونورز خلال تغطيتها الصحافية فيلما توثيقيا عن العراق هو حول الفارق الجوهري بين السينما و الصحافة:انه الوقت. فالصحافة تعمل ضد الوقت. بل ضد عدو اول هو الوقت. ولعل هذا هو الخلل الاول في ما تأخذه عليها الفنون والعلوم الاخرى.
خلل لا حل له... و"فضائل" الصحافة تتعايش معه بينما معظم هشاشاتها المهنية لا الاخلاقية ولا السياسية ناتجة عنه...

← العودة إلى مختارات