"منتدى انا ليند 2010" في برشلونة: لِتجنب تضخيم الجانب الثقافي - انطوان مسرّه (النهار)
كيف يمكن وصف التجمع الضخم الذي جمع في برشلونة في 4-7/3/2010 اكثر من تسعمئة من المشاركين من 43 بلداً اوروبياً ومتوسطياً، بينهم السفراء أعضاء حاكمية مؤسسة "انا ليند" والأعضاء الثمانية عشر للهيئة الاستشارية ورؤساء الشبكات الوطنية وممثلو اكثر من مئتي جمعية أهلية في اطار "منتدى انا ليند 2010"؟
وصف البعض التجمع بأنه "تاريخي" في البناء المتوسطي، و"خارج عن المألوف"، و"محطة تم اجتيازها في سبيل المتوسط". هدف التجمع مع جدول أعمال مكثف وخلاصة تحقيق اجتماعي حول "التوجهات الثقافية والسلوكية" في 13 بلداً اوروبياً ومتوسطياً، ان يكون عملاً تأسيسياً لحلم يتمظهر في المنتدى بشكل ملموس.
للمرة الاولى يجتمع الفاعلون في مؤسسة "انا ليند" من سفراء ممثلي الدول الـ 43 والأعضاء الـ 18 للهيئة الاستشارية والمدير التنفيذي والهيئة الادارية ورؤساء الشبكات الوطنية وممثلون عن الجمعيات الأهلية المنضوية في مؤسسة "انا ليند" الاورو-متوسطية للحوار بين الثقافات.
أكد رئيس مؤسسة "انا ليند" اندريه ازولاي في الافتتاح: "أن برشلونة تعود اليوم الى برشلونة". يعني بذلك ان الشق الثقافي الذي أطلق في برشلونة منذ سنوات حول التعاون الاوروبي-المتوسطي والذي كان يبدو حلماً ويشمل أكثر من 750 مليوناً من المواطنين يعود اليوم الى برشلونة. جاء في كلمة اندريه ازولاي: "خطونا اليوم مرحلة وهي مرحلة الالتزام المسؤول، في الوقت ذاته حيث يتمأسس الاطار التنفيذي لوحدة المتوسط. لم يكن ذلك سهلاً على المستويين التنظيمي والسياسي. تفوق الانجازات الاخفاقات".
الهيئة الاستشارية لمؤسسة "انا ليند" هي اطار تشاور وتوجيه وبحث في التوجهات العامة دون الانجراف في النشاطية والحركية الثقافية. يؤمن المجلس، حسب وصف رئيس مؤسسة "انا ليند"، ان كل عمل سياسي بمعنى بناء السياسات العامة يحتاج الى "تخصيب ثقافي".
يمكن ان نستخلص من اعمال المنتدى ثلاثة توجهات رئيسة:
1. خلقية الحوار:
الحاجة الى ترسيخ خلقية الحوار الثقافي دون ايديولوجيات، ولكن بحزم وضمن معايير وبوصلة في عالم حيث يعيش الناس في سوبرماركت قيم بالرغم من مكتسبات الحضارة والانتشار العالمي لمبادئ حقوق الانسان. هذه المكتسبات مهددة من خلال توظيف العلوم الانسانية، وبخاصة علم النفس، في المخادعة والتلاعب بالذهنيات. الحاجة تالياً الى فاعلين في الحوار يعملون كأطباء لا يخشون مواجهة النزاعات والمحرمات والنتوءات مع الحرص على التسوية التي هي، حسب عالم الاجتماع الالماني جورج سيمل G. Simmel، "أهم اختراع للفكر البشري". وليست التسوية هذه مساومة على المبادئ الناظمة للحياة العامة.
يعمل الحوار الثقافي على المدى الطويل وتحقيقاً للمجال العام الجامع والمشترك. يحتاج الاتحاد في سبيل المتوسط الى بُعد ثقافي يتم تغذيته وترسيخه وتخطيط استراتيجيته. تستعيد بذلك الثقافة مفهومها الأصلي باللغة الفرنسية culture، التي هي مرادفة للزراعة حيث زرع وحصاد. ولا تكون التنمية مستدامة الا من خلال تخصيب ثقافي يكون رافعة في تغيير المواقف والسلوك مع الأخذ في الاعتبار شمولية الأبعاد. تتجنب مؤسسة "انا ليند" "الحوار التجميلي" dialogue cosmétique وتطلق تالياً مساراً ثقافياً يتمضن بوصلة. يؤثر هذا التوجّه على المستوى العالمي بخاصة ان الامم المتحدة أطلقت سنة 2010 سنة عالمية للتقارب بين الثقافات.
2. منتديات متفرعة:
اقترح رئيس مؤسسة "انا ليند" اندريه ازولاي انتاج منتديات متفرعة عن منتدى برشلونة من خلال شبكات "انا ليند" الوطنية في 43 بلداً اوروبياً متوسطياً. هذه الشبكات "مؤتمنة وضامنة وحامية" لاستمرارية المسار وتعميم ثقافة التشارك في المسؤولية. يتحقق اتحاد المتوسط "اذا اكتسب شرعية واذا تحول الى حقيقة لا تقتصر على ديبلوماسيين. توفر المنتديات المتفرعة عضلات للأنشطة كافة وتحوّل المشروع الى بناء هندسي مع جدولة زمنية متماسكة حيث كل عنصر هو محاسب لما يجري ومشارك في ملكية".
تم التشديد على "ان ارضية الاتحاد في سبيل المتوسط متوفرة والكل يدخل اليها اليوم بأشكال تواصلية. هل نحتاج الى خبراء لكي نعيش معاً؟ ليس الزمن لجردة الاخفاقات والتراجعات والتخلف، اذ نجتاز مرحلة جديدة".
يجب في هذا السياق تجنب تضخيم الجانب الثقافي في بناء التواصل الاورو-متوسطي واشكالية التعددية الدينية والعلاقات بين الغرب والاسلام. ان بحث وسائل الاعلام عن الإثارة وبرمجة المواطنين ذهنياً حول ثنائية ثقافية متعارضة ونزاعية، والكسل الفكري لدى اكاديميين يطرّزون حول المتداول في السوق السياسية والموضة الفكرية، يؤدي الى تبسيطات وتعميمات متسرعة.
تُطرح اشكاليات عديدة حول التعددية الدينية واستغلال الاديان في التعبئة السياسية. لكن هذه المشاكل هي فرعية وذات جذور سياسية. انها معضلة الادارة الديموقراطية للتعددية الدينية أي احترام الحريات الدينية بروح المساواة والمشاركة في اطار مجال عام محايد ومشترك. اشكالية حقوق الانسان هي تالياً مركزية في مسار الاتحاد في سبيل المتوسط. ويقتضي تنظيم حوارات وأعمال في سبيل الادارة الديموقراطية للتعددية الدينية. ثقافة القاعدة الحقوقية هي التي تبدد المخاوف وتعالج التناقضات. تبرز هنا هوة بين البلدان الاورو-متوسطية والأديان هي في صلب هذا المسار، الحاجة تالياً الى طرح القضايا دون تضخيم، ولكن دون ميوعة ودون تجريد نتوءاتها وتلوثاتها بحجة تسهيل الحوار وانجاحه.
كثير من السجالات حول التعصب والتهميش ضرورية، ولكن غالبا ما يتم اللجوء اليها لاخفاء العجز الديموقراطي في ادارة التعددية الدينية. لا يُختزل الموضوع في جانبه الثقافي، انه مرتبط بمبادئ حقوق الانسان في مجتمع ديموقراطي. مهدت مؤسسة "انا ليند" في هذا السياق طريقاً صمد تجاه الازمات وبشكل خلاق وانتجت "نهجاً في العمل". واقترح المدير التنفيذي اندرو كلاريه Andrew Claret: "العمل على المدى الطويل بعد المنتدى".
3. حرية التنقل
في المجال الاورو-متوسطي:
في الجلسة الختامية وفي سبيل تجسيد العديد من المداخلات ذُكرت عبارة "انا ليند": "التحدي الأهم الذي يتوجب علينا مواجهته هو حرية التنقل". وذكر انه في حالة الاحتلال يتراجع العمل الثقافي أو يتعطل. وذكرت ليلى شهيد في الجلسة الافتتاحية: "في سبيل فلسطين انها فرصة مميزة. غزة محاصرة تماماً.
لا نخلق الأسس الحقيقية للمتوسط الا من خلال أعمال محسوسة". وقال وزير الخارجية الاسباني ميغل انخل موراتينوس بحسرة: "في عالم معولم الذين يتألمون هم جيراننا! على المجتمع ان يخلق الارادة السياسية. انه مرتبط بنا ان نخلق معاً مجالاً آخر. أنتم السلطة والمستقبل والأمل". وموقف رئيس مؤسسة "انا ليند" بالغ الوضوح: "بعد ان قبلنا التقهقر جماعياً لا يمكننا التصرف وكأن المآسي التي نعيشها غير موجودة. المتوسط الذي نحن على موعد واياه اليوم ليس للتشكيك".
والشابة السعودية الحائزة على جائزة "انا ليند" لحرية الصحافة، ايثار الكتاتني قالت: "لم تحصل ابداً عزلة كما نحن عليه اليوم".
هل لجو الابتهاج الذي ساد منتدى "انا ليند" في برشلونة حظوظ الاستدامة؟ برز تخوف من قبل منظمي المنتدى والأعضاء الأكثر التزاماً في مؤسسة "انا ليند" حول القيادة المستقبلية: "هنيئاً لكم لأنكم آمنتم بالمؤسسة" حسب قول اندريه ازولاي. لكن البعد الذي تعيشه وتمارسه مؤسسة "انا ليند" لا يتناسب مع ضحالة الامكانات المادية. لذا يقتضي على مستوى الجهات الرسمية في المجال الاورو-متوسطي "الاخذ بالاعتبار المسار الجديد والتحولات".
تندرج هذه الورشة التي كانت تعتبر اوتوبية بسبب اغتراب ثقافي، في اطار استعادة التراث الاوروبي-المتوسطي. سفير لبنان في اسبانيا، شكري عبود، قال لي خلال غداء في اطار المنتدى: "انهم الفينيقيون الذين سبق، بالابجدية وبالتبادل التجاري، ان انشأووا الاورو-متوسطية"! نحتاج اليوم الى اعادة انتاج ما تم تفكيكه، ومع الاستمرار في تفكيكه بخاصة في المنطقة العربية على ضفاف المتوسط.
(عضو المجلس الدستوري، عضو الهيئة الاستشارية لمؤسسة "انا ليند" الاورو-متوسطية للحوار بين الثقافات)