إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

أميركا تدرس تجربتها العراقية... وإسرائيل - سركيس نعوم (النهار)

تشعر الادارة الاميركية بالارتياح، اولاً لأن الانتخابات التشريعية في العراق اجريت في ظروف شبه طبيعية. وثانياً لأن النتائج المتوقعة لها يمكن ان تساهم في اعادة العراق الى شيء من الحياة الطبيعية رغم ان الارهابيين سيستمرون في عملياتهم. فمن جهة شارك وبكثافة العراقيون العرب السنّة في الانتخابات متخلّين عن المقاطعة، الناجمة سواء عن ضغوط "القاعدة" او عن اليأس من إمكان المشاركة في السلطة في ظل هيمنة الغالبية الشيعية وحلفائها الاكراد على معظم مفاصل الدولة. ومن جهة ثانية اعرب هؤلاء عن قبولهم حقيقة انكروها طويلاً وانكرها معهم حلفاؤهم العرب، هي ان الشيعة غالبية في العراق. كما اعربوا عن استعدادهم للعمل المشترك معهم وللثقة بهم. وقد ظهر ذلك في وضوح بتعاونهم مع الرئيس السابق للحكومة المرشح اياد علاوي الشيعي العلماني والبعثي السابق وبتحدّيهم كل الاخطار بغية تكبير حظوظه في الوصول الى رئاسة الحكومة. ومن جهة ثالثة يفسح انقسام الغالبية الشيعية انتخابياً فريقين متنافسين في المجال امام ممارسة ديموقراطية حيّة لا بد ان تتجلّى، بعد إعلان النتائج الرسمية للانتخابات، في مشاورات ولاحقاً في ائتلافات حكومية متكافئة وفي معارضة منسجمة وقوية. اما ثالثاً فان الادارة الاميركية تشعر بالارتياح لنتائج الانتخابات العراقية الاخيرة لأنها تضع الاسلاميين المتطرفين قيد المراقبة. ورابعاً واخيراً فانها تشعر بالارتياح لأن النجاح الانتخابي الذي يؤمل ان يتحول نجاحاً حكومياً وسياسياً وامنياً وان في صورة جزئية سيمكّن الاميركيين من سحب قواتهم العسكرية من العراق بحلول كانون الأول 2011.
لماذا تريد الادارة الاميركية سحب قواتها العسكرية من العراق؟
لأسباب كثيرة، يجيب متابعون اميركيون لها ولسياستها العراقية والشرق الاوسطية تحديداً. منها الحاجة الى اراحة القوات العسكرية الاميركية بعد التعب بل الإرهاق الذي تعرضت له، ولا تزال تتعرض له منذ ما بعد 11 ايلول 2001، اولاً في افغانستان ولاحقاً في العراق. وهذا التعب او الارهاق لا يزال مستمراً. ومنها ايضاً الحاجة الى اعادة تجهيز القوات والى اعادة تدريبها، لان الحاجة اليها خارج بلادها لا تزال قائمة وخصوصاً في افغانستان، حيث يزداد العنف. ومن الاسباب ثالثاً عودة الادارة الاميركية الى البحث من جديد في مفهوم قدرة الولايات المتحدة على خوض حربين عسكريتين كبيرتين او على فتح جبهتين عسكريتين في منطقتين مختلفتين في وقت واحد. وهو مفهوم كان بدأ التفكير في التخلي عنه بعد الذي واجهته القوات الاميركية في العراق، اذ عندما بدأت الحرب في هذه البلاد ظن الاميركيون انها ستكون نزهة، لكنها لم تكن كذلك. وقد وفّر لهم ذلك ومعه الحرب في افغانستان دروساً يجري الآن التعمق في بحثها وتحليلها واستخلاص العبر منها للافادة منها في اي تحرك عسكري اميركي مستقبلاً. الا ان اللافت، يقول المتابعون الاميركيون انفسهم، ان المراجعة العامة وخصوصاً العسكرية التي تقوم بها اميركا لحربيها في العراق وافغانستان تقوم بها ايضاً اسرائيل، ومراجعة كهذه مضافاً اليها المراجعة التي بدأت بعد انتهاء حرب 2006 ضد "حزب الله" ولبنان والتي لا تزال مستمرة تشير وفي وضوح الى امور ثلاثة: الاول، ان حرب اسرائيل مع لبنان لم تنته. والثاني، ان احتمال خوضها حرباً اقليمية اوسع سواء ضد سوريا او ضد ايران يبقى دائماً على الطاولة. والثالث، ان اي حركة عسكرية اسرائيلية في اتجاه لبنان في المستقبل، او اي حرب لن تكون كالاخيرة، فهذه المعركة ستكون واستناداً الى معلومات موثوق بها حرباً برية وجوية وبحرية وصاروخية وما الى ذلك. كما انها ستكون "احتلالية" اي ان الجيش الاسرائيلي سيبقى في ما سيحتله من لبنان مدة طويلة (من سنتين الى ثلاث سنوات). طبعاً هذا ما يخطط له الاسرائيليون، لكنهم في الوقت نفسه يدرسون الاوضاع والظروف وامكاناتهم لمعرفة اذا كان في وسعهم تحقيق اهدافهم اذا دخلت الجمهورية الاسلامية الايرانية على خط حربهم مع لبنان مباشرة او مداورة. ودخول كهذا قد يبدو امراً لا مفر منه لاعتبارات كثيرة. وفي حرب كهذه، يلفت المتابعون، فان الجهة التي ستجد نفسها بين نارين هي سوريا. فهل تستطيع البقاء على الحياد والسكوت على احتلال اسرائيلي جديد للبنان؟ وهل تستطيع مقاومة ضغوط ايران او اغراءاتها للتدخل في الحرب ضد اسرائيل رغم تأكيدها لها انها ستستعمل صواريخها البعيدة المدى ضد اسرائيل؟ وهل تستطيع منع "المقاومة" من استعمال الصواريخ البعيدة المدى والاسلحة الاخرى التي اعطتها إياها او التي اوصلتها إليها ضد اسرائيل تلافياً لتعرضها لضربة جوية عسكرية مدمرة؟ طبعاً لا اجوبة محدّدة عن كل هذه الاسئلة، لكن ما يؤكده المتابعون انفسهم هو ان القيادة السورية حُذِّرَت من ان ذلك سيحصل في الظروف المشار اليها.
هل من توقيت محتمل لكل ذلك؟
المتابعون الاميركيون انفسهم قالوا قبل مدة ان الصيف المقبل "مهم" على هذا الصعيد. وقد اضافوا اليوم ان بدايات الخريف "مهمة" ايضاً. الا ان بعض الاوروبيين يبدو اكثر استعجالاً اذ إنه يعطي مواعيد "ابكر" بكثير.

← العودة إلى مختارات