عندما يُفتح «باب الاجتهاد» في المعارضة.. تزدهر التسويات - عماد مرمل (السفير)
تجاوز ما حصل في مجلس الوزراء، أمس الأول، حدود إقرار دفعة أولى من التعيينات الإدارية الى تظهير صورة معدلة للواقع السياسي الداخلي، تعبر عن التغييرات الحاصلة على خارطة توزع القوى وتحالفاتها.
وإذا كان خروج النائب وليد جنبلاط من فريق 14 آذار وإعادة الانتشار التي قام بها الرئيس سعد الحريري بعد توليه رئاسة الحكومة عاملين أديا عمليا الى إفراغ هذا الفريق من مضمونه وفعاليته، على إيقاع المستجدات الإقليمية، فإن خلط الأوراق في جلسة الحكومة الإدارية، أعطى إشارة واضحة الى أن معسكر 8 آذار الذي قاوم لفترة موج التحولات دخل بدوره في مرحلة إعادة التشكل، بعد تراكم مجموعة من المقدمات التأسيسية.
وبمعزل عن طبيعة التسوية أو المواجهة التي أفضت الى فرز خيوط الجلسة بطريقة مختلفة، إلا أن الأكيد في الحالتين أن شكل المعارضة السابقة قد اهتز، وأن «الانضباط» الذي اتسم به سلوكها خلال فترة الصدام السياسي والميداني مع قوى 14 آذار قد تراخى لمصلحة فتح باب الاجتهاد على مصراعيه، بما أتاح لكل طرف من أطراف المعارضة أن يستعيد استقلاليته أو على الأقل «الحكم الذاتي» ضمن فيدرالية التحالف الواسع حول الثوابت الأساسية.
ويبدو أن قول الرئيس نبيه بري الشهير في أعقاب الانتخابات النيابية الأخيرة إن الاصطفاف الحاد بين 8 و14آذار قد انتهى، يثبث صحته تدريجيا مع تتابع الاستحقاقات السياسية التي بعثرت الحلفاء، وهذا ما تُبينه المؤشرات الآتية:
ـ خلاف الرئيس نبيه بري مع العماد ميشال عون الذي خرج من طور «القوة» الى طور «الفعل»، ممتدا من ملف إلغاء الطائفية السياسة الى مشروع خفض سن الاقتراع مرورا بالتعيينات الإدارية وغيرها من الملفات السابقة.. واللاحقة.
ـ التمايز الذي ظهر بين حزب الله والعماد عون للمرة الأولى منذ توقيع التفاهم الثنائي عند التصويت على خفض سن الاقتراع، مع الأخذ بعين الاعتبار حرص الطرفين على عدم تحميل الأمر أكثر مما يحتمل، واعتباره دليل عافية.
ـ شكوى الرموز السنية في المعارضة من تهميشها وصولا الى انتفاضة الرئيس عمر كرامي وإعلان خروجه من 8 آذار وسعيه الى تكوين تجمع مستقل.
ـ تمايز رئيس تيار المردة الوزير سليمان فرنجية الذي نجح في التأسيس لعلاقة واعدة مع سعد الحريري، بموازاة المد والجزر من حين الى آخر بين ضفتي الرابية، حيث يتجاور «البيك» والجنرال.
ـ حرص حزب الطاشناق على إبراز خصوصيته، سواء على مستوى المعارضة ككل أو على مستوى تكتل التغيير والإصلاح، وكان آخر نماذجها موقف الوزير ابراهام دده يان في الجلسة الوزارية.
كان العماد ميشال عون يقول أثناء التفاوض على تشكيل الحكومة الحالية ان لا مبرر لمخاوف الأكثرية إزاء الثلث الضامن، ذلك أن هناك فروقات وربما افتراقات ستبرز بين قوى المعارضة حول طاولة مجلس الوزراء تبعا للموضوع المطروح، وانه لا يجوز التعامل مسبقا مع وزرائها وكأنهم رزمة واحدة.
صدقت توقعات «الجنرال»، وجاءت جلسة تعيينات الهيئات الرقابية لتذيب «الثلث الضامن» المموه الذي تبعثرت مكوناته شمالا ويمينا، فصوّت وزراء أمل مع التعيينات (الى جانب المستقبل والاشتراكي والقوات والكتائب) وصوّت وزراء تكتل التغيير والإصلاح ضدها وامتنع وزيرا حزب الله، فيما تولى وزير حزب الطاشناق، حليف عون، التبرع بصوته لتأمين ترجيح كفة الثلثين لمصلحة إقرار التعيينات. وحتى الوزير عدنان السيد حسين الذي صُنف عند تشكيل الحكومة بأنه وديعة من حزب الله لدى فريق رئيس الجمهورية وأنه حصانة الثلث الضامن المقنّع، سبح عكس تيار الحزب وعون.
لقد بات واضحا أن مقاييس المرحلة الجديدة اختلفت عن تلك التي كانت معتمدة في حقبة الانقسام العمودي الذي عاناه البلد خلال السنوات الخمس الماضية.
في السابق، تمحور الاشتباك الداخلي حول عنوانين ساخنين قادا الى فرز القوى والمواقع بحدة، وهما: سلاح المقاومة والعلاقة مع سوريا. لكن، ومع بدء سريان مفعول التسوية المحلية بأبعادها الإقليمية، تقرر سحب هذين العنوانين من طاولة الحكومة الى طاولة الحوار، الأمر الذي أفسح المجال أمام دخول مواضيع داخلية من نوع آخر الى جدول أعمال مجلس الوزراء، وبالتالي تحرر 8 و14 آذار من ضوابط الاصطفاف السابق والتزاماته.
ولئن كان خلط الأوراق يفيد في كسر حدة الفرز السياسي وتعديل قواعد اللعبة الداخلية، إلا أن ما يمكن أن يرافق ذلك من تصدع في بنية المعارضة، كما حصل في جلسة مجلس الوزراء، ينطوي، وفق بعض المراقبين، على المحاذير الآتية:
ـ فتح باب البازار السياسي وازدهار الصفقات أو التسويات الجانبية، بحيث إن كل طرف في المعارضة قد ينزلق الى تفاهمات ثنائية لضمان مصالحه.
ـ تشجيع القوى الفاعلة في الفريق الآخر على التلاعب بأطراف المعارضة واستمالتها كلٌ على حدة، بعدما أظهرت التجربة أن شق صفوفها أمر ممكن.
ـ التفريط بورقة التوافق لمصلحة التصويت، وما جرى في الجلسة الوزارية قد يغري «الأكثرية» لاحقا الى المطالبة بالتصويت على مسائل تحتاج الى أغلبية عادية تملكها، مستندة الى سابقة حصلت.
ـ عودة الثنائية الشيعية ـ السنية الى فرض إيقاعها، بينما يدفع المسيحيون في الإدارة كما في السياسة، ثمن صراعاتهم وتشتتهم.