إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

حرب داخل الدولة التركية - جنكيز تشندار (المستقبل)

بلغت "الحرب الأهلية داخل الدولة التركية" مرحلة حاسمة. ومن يدري، فإن المؤرخين الذين سيكتبون "التاريخ السياسي لتركيا ما بعد العثمانية" أو "تاريخ الديمقراطية" في تركيا قد يسجلون الأسبوع الثالث من شباط/ فبراير العام 2010 باعتباره نقطة تحول في تاريخ هذا البلد.
وما يجري الآن أمر في غاية التعقيد حتى بالنسبة للأتراك المهتمين بشؤون السياسة، وبالتالي سيصعب على غير الأتراك والى حد بعيد تصور حقيقة ما يجري هذه الأيام في تركيا.
إنها قضية معقدة للغاية تجد جذورها في الطابع المؤسساتي الغريب لنظام السلطة القضائية في تركيا الذي رسخه دستور عام 1982 الذي يشكل بحد ذاته نتاجاً للنظام العسكري. على الورق، تقوم تركيا على نظام ديمقراطي غربي يعتمد على مبدأ الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. لكنه في الواقع أكثر من نظام حكم بيروقراطي كان العسكر العمود الفقري له الى جانب السلطة القضائية وامتدادها المدني.
وبالتالي كان للسلطة القضائية دوما علاقة وثيقة بالجيش تعمل بالتعاون والتنسيق معه تحت ستار "استقلالية القضاء" في إشارة الى الفصل بين السلطات. في الواقع، استقلال القضاء عمل دائما باعتباره آلية مراقبة وتوازن في مواجهة الحكومة المنتخبة ولمصلحة الجيش الذي بقي في الوسط في فترات حكمه المباشر. هذا هو السبب الرئيسي في أن أي مواجهة بين الحكومة المنتخبة والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية تفسر في تركيا في معظمها بكونها تعكس الدينامية المدنية - العسكرية.
انتصار النيابة العامة، في نيسان/ أبريل 2008 لدعوى قضائية لحظر حزب العدالة والتنمية الحاكم ومنع زعيمه رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان من ممارسة السياسة بعد ادعاءات بمحاولته تغيير الطبيعة العلمانية للنظام الجمهوري الى نظام إسلامي مرتكز على حكم الشريعة، فسره الكثير من المراقبين انه خطوة صادرة عن الجيش ضد حكومة اردوغان كرد فعل على هزيمته وانتصار الأخير، مما منح اردوغان وحزبه نصرا مذهلا في انتخابات تموز/ يوليو 2007. هذا الانتصار الانتخابي جاء بعد تدخل الجيش من خلال حليفه السلطة القضائية من أجل منع عبد الله غول من تولي منصب الرئاسة.
الجميع يعلم أن الجيش والقضاء هما الركنان الرئيسان لتركيا في الهيكل التقليدي للسلطة منذ تأسيس الجمهورية أوائل 1920، الأمر الذي يعيق بشكل قوي أي محاولة تجديد أو تغيير في تركيا قد تقوّض مركزهما وسلطتهما.
ولقد أصبحت الدعوى القضائية في قضية ارغنيكون التي بات قراء "المستقبل" على دراية بها، معلما بارزا في تآكل قوة النخبة الكمالية الحاكمة من المدنيين والعسكريين. وارغنيكون، هو في الواقع، الاسم الرمزي الذي أطلق على جماعة ضمن بنية الدولة نفسها سميت "الدولة الخفية"، وكانت مسؤولة عن الاغتيالات السياسية، وعمليات التخريب، والتحريض على الكراهية بين شرائح مختلفة من المجتمع، أي انها كانت باختصار تعمل من أجل تهيئة الظروف المحلية التي من شأنها إضفاء الشرعية على الانقلاب العسكري. وكانت الذريعة على الدوام حماية تركيا ضد التهديدات التي تتعرض لها أسسها الجمهورية. والترجمة الأكثر بساطة لما يسمى لتلك "الأسس المقدسة": سلطة النخبة المدنية- العسكرية التقليدية.
لقد كشفت قضية ارغنيكون الكثير من المؤامرات التي تم إعدادها أساسا داخل القيادة العسكرية العليا، بما في ذلك هيئة الأركان العامة. وأكدت الحكومة التزامها السياسي القوي في هذه القضية، بحيث تابعها بعض المدعين العامين والقضاة الشجعان بكل عزم وتصميم مما سببّ تصدعات داخل الجهاز القضائي نفسه، عكست تصدعات داخل المؤسسة العسكرية لدرجة أن جميع الوثائق المذهلة عن خطط التآمر القذرة تسربت إلى الصحافة بفضل بعض الأفراد العسكريين.
وفي أحدث تطور الأسبوع الماضي، واقعة شملت اثنين من المحافظات الشرقية المركزية في البلاد هما ارزنجان وارضروم. ففي محافظة ارزنجان المجاورة لمقاطعة ارضروم، يقع مقر قيادة الجيش الثالث في القوات المسلحة التركية. هناك، تم مؤخرا الكشف عن أسلحة دفنت تحت الأرض، وبالتوازي مع ذلك تسربت بعض المعلومات حول تورط قائد الجيش الثالث العماد سالدراي بيرك وكبير ممثلي الادعاء في المقاطعة مع متآمري ارغنيكون. وتم تعيين أربعة من أعضاء النيابة العامة من محافظة ارضروم المجاورة للتحقيق في قضية ارغنيكون. وتم استدعاء الجنرال بيرك من قبل المدعي العام غير انه رفض أن يحضر يوم الأربعاء، بينما اعتقل ممثل الادعاء العام نتيجة التحقيق.
وفي ذلك الأربعاء، وبدلا من أن يحضر التحقيق، سافر بيرك الى انقرة وشوهد في مبنى هيئة الأركان العامة. ومساء، حل المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، وهي الهيئة المسؤولة عن تعزيز وتعيين الموظفين القضائيين، ممثلي الادعاء العام من محافظة ارضروم من واجباتهم في التحقيق في قضية ارغنيكون في منطقتهم. وأسرعت محكمة النقض ومجلس الدولة، وهما المؤسستان الرئيستان أيضا للقضاء، الى إصدار بيانات تؤكد مشروعية قرار المجلس.
نتيجة لهذه التطورات، دعت الحكومة الى جلسة استثنائية برئاسة رجب طيب اردوغان وأصدرت بيانين قويي اللهجة يتهمان الأجهزة القضائية بمخالفة القانون، أعلن أولهما مساء الأربعاء الماضي وزير العدل سعد الله ارجين، وأعلن الثاني نائب رئيس الوزراء بولنت ارينج يوم الخميس. وصف ارجين في بيانه الوضع بانه محاولة "انقلاب قضائي" ضد الحكومة. بينما أشار ارينج بدوره الى ان الأجهزة القضائية تسعى الى إقامة "حكومة القضاة" بدلا من "حكومة وسيادة الديمقراطية".
اليوم، الساحة السياسية منقسمة. والبلد في حالة استقطاب. كثر يصفون الوضع بأنه "السلطة القضائية في مواجهة السلطة القضائية"، والبعض يقول انها "السلطة القضائية في مواجهة الحكومة"، وإنها "السلطة العسكرية في مواجهة السلطة المدنية". وكل التوصيفات تعكس خيارا وموقفا إيديولوجيا.
والامر الوحيد المؤكد: إن هيكل الدولة التركية في حال تصدع وتمزق وانقسام إلى شطرين على الأقل. وان العديد من المواطنين يشعرون بالرعب، لا يعرفون كيف ومتى يمكن الخروج من هذا المأزق.
ومع ذلك، يرى البعض في هذا الوضع فرصة حيث ان قوى الوضع القائم محكوم عليها بالإخفاق، وان ما نشهده في تركيا هو تحول مؤلم ولكن لا مفر منه للبلد نحو مرحلة أفضل.
أمر آخر مؤكد أيضا: ان تركيا تمر بمرحلة مثيرة جدا للاهتمام ولكنها أيضا فترة في غاية الخطورة.

← العودة إلى مختارات