إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

احتفالات بيروتيّة رائعة - حازم صاغية (الحياة)

ما إن هدأت اشتباكات «عصبة الأنصار» و «فتح» في مخيّم عين الحلوة، جنوب لبنان، حتّى انعقد في بيروت «مهرجان شعبيّ» للاحتفال بـ... الذكرى الثانية والأربعين للوحدة المصريّة – السوريّة. ذكرى ماذا، كما قد يقول عشرات ملايين العرب اليوم؟ نعم، ذات مرّة، في 1958، قامت وحدة بين البلدين لم تعش إلا سنوات ثلاثاً وانتهت إلى حرب باردة، سياسيّة وإعلاميّة، بينهما.

ليس من علاقة مباشرة بين ما جرى، ويجري، في مخيّم عين الحلوة وبين الاحتفال بتلك الذكرى. لكنّ «الإخوة والرفاق» وأهل «الخندق الواحد» يمكنهم فعل الشيئين معاً فيما المسافة الفاصلة بين شيئيهم عشرات قليلة من الكيلومترات. أمّا إذا وسّعنا المسافات قليلاً، واجهتنا مفارقة مفادها التالي: ثمّة من يحتفلون بذكرى وحدة حصلت قبل 42 سنة فيما بلدان كالعراق واليمن والسودان مرشّحة للتفسّخ في أيّة لحظة. ويقول المنطق البسيط إنّ من يعجز عن إقامة وحدة فعليّة بين العراقيّين والعراقيّين، واليمنيّين واليمنيّين، والسودانيّين والسودانيّين، والفلسطينيّين والفلسطينيّين، سيقضي ما تبقّى من عمره وهو «يحتفل» بـ «ذكرى» وحدة عربيّة قامت ذات مرّة وانهارت سريعاً.

والمثل الأوضح هو لبنان نفسه حيث أقيم المهرجان الذي لم يقم مثله في مصر ولا في سوريّة! فاللبنانيّون الذين يفتقرون الآن إلى أدنى الإجماعات الوطنيّة، والعاجزون عن الاتّفاق على طريقة تجنّب بلدهم الموت والعدوان، يحتفل بعضهم بـ... الوحدة المصريّة – السوريّة قبل 42 سنة!

هكذا تبدو الاحتفاليّات التي من هذا الصنف دليلاً لا يخطئ على مدى تصدّع الواقع الوطنيّ في البلدان المعنيّة، خصوصاً لبنان. حتّى «الموقف القوميّ» نفسه بات نوستالجيّاً محضاً لأنّ العالم الطبيعيّ تجاوزه فيما العالم القسريّ أعاد تدوير «قوميّته» وظيفيّاً: فقد نُحّي «القوميّون» إلى الصفّ الرابع أو الخامس فيما تقدّمت إلى واجهة المقاومات المشرقيّة جماعات طائفيّة ومذهبيّة وأصوليّة، يقف على مقربة منها ضبّاط وبيروقراطيّو قتل صغار برعوا في الإفادة من الإسلاميّين ومن القوميّين ومن المذهبيّين ومن... اشتباكات عين الحلوة. وهي عمليّة ابتدأت على حين غرّة حين أفقنا فوجدنا أنّ «الأمّة العربيّة» غدت «أمّة عربيّة وإسلاميّة»، ولم يظهر من يسأل عن إضافة مليار إنسان بضربة قلم هي، بالأحرى، ضربة ساطور على العقل. وبالطبع كان هناك، ولا يزال، قوميّون سوريّون بدوا محرَجين بـ «الأمّة العربيّة» فزاد حرجهم أضعافاً بـ «الأمّة الإسلاميّة». لكنّهم داروا الحرج باستخدام تعبير «الأمّة» وحده من دون نعت، حتّى ظُنّ أنّهم يقصدون الكلمة في محمولها الثقافيّ الإسلاميّ، والله أعلم.

وهذا واقع لا تتستّر عليه خطابات جمال عبدالناصر وأغاني عبدالحليم حافظ وصرخة «أمجاد يا عرب أمجاد»، ولا إدانة «الغزوة الأميركيّة الصهيونيّة للوطن العربيّ»: تلك العبارة الفقيرة التي لا يُضجرها تكرار ضارب في عشرات السنوات الهرمة.

يبقى ظرف لبنانيّ آخر يفسّر مثل هذه الاستعادات المثيرة للغثيان (وكان قد احتُفل قبل أشهر قليلة بذكرى تخصّ صدّام حسين!). فأبناء هذا البلد الذين مُنعوا من السياسة مرّات عدّة في السنوات القليلة الماضية، ثمّ جاءت «حكومة الوحدة الوطنيّة» تبلور منعهم وتمأسسه، سيجدون ما يزعجهم تباعاً في مناسبات كثيرة كهذه. ولا بدّ أنّ عدداً من الأحزاب «فرّغ» مجموعات من المفرَّغين كي ينقّبوا في كتب يعلوها الغبار: متى ذكرى معركة ميسلون؟، متى جول جمال؟، متى... متى وصولاً ربّما إلى صلاح الدين أو خالد بن الوليد، لكنْ بالقفز من فوق عدنان المالكي وغسّان جديد وفرج الله الحلو وشهدي عطيّة الشافعي ومهدي عامل و... كيانوري.

وهو، على العموم، «حدث» ما كان يستحقّ الوقوف عنده لولا أنّه أقلق لساعاتٍ صباح سكّان بيروتيّين آمنين بات يختلط في آذانهم صوتا الصراخ القاتل والرصاص القاتل.

← العودة إلى مختارات