لا "نار" بين أميركا وإيران... بل في لبنان ؟ - سركيس نعوم (النهار)
لا أحد من متابعي العلاقة أو بالأحرى اللاعلاقة بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية يستطيع ان يقول ان الخلاف بينهما ليس عميقاً وليس جدياً وليس جذرياً وليس مزمناً. فهو بدأ منذ لحظة تأسيس الثانية بعودة آية الله الخميني من منفييه العراقي فالفرنسي الى طهران عام 1979، وتفاقم بعد احتلال "الثوار" الايرانيين السفارة الاميركية في عاصمتهم واحتجازهم ديبلوماسييها والموظفين ثم تحويلهم رهائن مدة طويلة. واستمر هذا الخلاف سالكاً طريق التصعيد أولاً بسبب النهج الذي سلكه النظام الاسلامي الجديد داخل البلاد وثانياً بسبب تصدير الثورة التي اعتمدها الى جيرانه أو اشقائه الاقربين والابعدين في آن واحد. وثالثاً، بسبب وضعه استراتيجيا طموحة تقضي بالتحول لاعباً اقليمياً كبيراً وعظيماً قادراً على فرض احترام مصالحه على المنطقة وكبارها كما على العالم كله وفي مقدمه الدولة الاعظم أي أميركا. وارتكزت هذه الاستراتيجيا على الانضمام الى ازمة الشرق الأوسط وتحديداً الى الفريق المعادي لاسرائيل فيها والتحول لاعباً أول فيها بعد انكفاء غالبية الدول العربية لاسباب متنوعة. والهدف من ذلك كله كان فرض ايران الاسلامية نفسها جزءاً من الحل على المجتمع الاقليمي وتالياً الدولي. ورابعاً، واخيراً وليس آخراً بسبب دخول ايران "مغامرة" او مشروع امتلاك التكنولوجيا النووية والحصول على المعرفة الضرورية لاستخدامها سواء في المجال السلمي أو في المجال العسكري. وهو دخول فرضه دافعان، الأول حاجة ايران ورغم وفرة الموارد الطبيعية عندها من نفط وغاز وماء الى مصدر طاقة مهم يساعدها في عملية تنمية جدية بعد تخلف اقتصادي وعمراني كان سائداً فيها قبل الثورة الاسلامية وبعد دمار كبير لحق بها بسبب "حرب" عراق صدام حسين عليها عام 1980. لكن لا أحد ايضاً من هؤلاء المتابعين يستطيع ان يقول ان الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية الايرانية سائرتان حتماً نحو المواجهة العسكرية أو الحربية ولا سيما بعد تصاعد مواجهتهما السياسية المباشرة والمواجهة العسكرية - الامنية غير المباشرة التي كانت العراق وافغانستان واحياناً باكستان وسوريا ولبنان وغيرها مسارح لها.
فالحوار بين الدولة الأعظم في العالم والدولة الساعية بجد واجتهاد للتحول دولة اقليمية عظمى أو كبرى وذات امكانات عسكرية ومدنية ضخمة لم يتوقف حتى في أصعب الظروف التي مرّت بها علاقتهما. وكون هذا الحوار غير مباشر لم يقلل يوماً من اهميته. وقد حقق في احيان كثيرة فوائد عدة للدولتين. ففي افغانستان "الطالبان" التي اجتاحتها قوات اميركية على رأس قوات حلف شمال الاطلسي في اعقاب ارهاب 11 ايلول 2001 الذي نفذته "القاعدة" داخل اميركا استفاد المجتاحون كثيراً من المساعدات الايرانية المتنوعة. وفي العراق استفادت القوات الاميركية التي اطاحت نظام صدام حسين في 2003 مع قوات متعددة الجنسية من مساعدات ايرانية كذلك. أما ايران فقد حققت بدورها مكسبين بالغي الاهمية: الأول، التخلص من نظام "طالبان" الاصولي السني التكفيري العنفي المكفر للشيعة ومن خطره الكبير عليها كونه على حدودها. والثاني، التخلص ليس فقط من نظام "البعث" وزعيمه صدام حسين بل من العراق القوي جداً أو العربي جداً الذي شكل عليها خطراً كبيراً في الماضي (حرب 1980-1988). والتخلص أيضاً من احتمال عودة هذا العراق خطراً جدياً على ايران الآن أو في المستقبل. ومن العوامل التي ساعدت في تحقيق ايران هدفها هذا التقاء مصالحها هي الشيعية مع مصالح الغالبية من العراقيين وهي شيعية أيضاً التي حرمها صدام ومن سبقه من ممارسة حقوقها في الحكم رغم كونها غالبية. ومن العوامل ايضاً التقاء مصالحها مع مصالح الأكراد الذين كانوا يقاتلون ومنذ عقود لاقامة وطن لهم في العراق. لكنهم اكتفوا بالحكم الذاتي موقتاً في اطار فيديرالي او ربما لاحقاً كونفيديرالي.
انطلاقاً من ذلك يشدد المتابعون للعلاقة أو بالأحرى للاعلاقة بين اميركا والجمهورية الاسلامية الايرانية ان لايران مصلحة في بقاء اميركا عسكرياً في العراق وافغانستان وان من شأن ذلك الافساح في المجال امامها وامام حلفائها لاقامة عراق مزدهر ومسالم وقوي ولكن غير مهدد لايران ولمتابعة محاربة الاصولية الارهابية "السنية" القاعدية والطالبانية التي تشكل خطراً على الجميع في المنطقة والعالم. ويشددون أيضاً على ان لاميركا مصلحة مماثلة لأنها لن تترك العراق او افغانستان لايران "عدوتها" او المحاربة ضدها رغم تلاقي المصالح معها الا بعد انتقال الحوار غير المباشر سواء عبر اصدقاء مشتركين أو حوار النار أو حوار الساحات الاخرى الى حوار مباشر يوصل الى نتائج نهائية.
في اختصار يستبعد هؤلاء حرباً او مواجهة عسكرية بين اميركا وايران. أما اسرائيل فموضوع آخر. علماً انهم لا يرجحون توجيهها ضربة عسكرية الى ايران. اولاً، لأن نجاحها غير مضمون. وثانياً، لأنها يمكن ان تستدرج اميركا الى التورط في القتال الأمر الذي يعرض وجودها العسكري البري والبحري والجوي في الخليج الى الخطر وهو كبير. وثالثاً، لأن اميركا لا يمكن ان تسمح لاسرائيل بضربة كهذه؟
هل يعني ذلك ان المنطقة كلها ستبقى هادئة في الحد الأدنى على الأقل؟
يجيب المتابعون انفسهم بالقول ان اميركا وايران يتحاوران بالسياسة والديبلوماسية والعسكر والأمن مباشرة ومداورة لتحقيق هدفين. الأول احترام ايران مصالح اميركا في المنطقة والمساعدة في المحافظة عليها. والثاني اعتبار اميركا ايران شريكاً لها وللمجتمع الدولي الذي هي زعيمته في المنطقة. ويقتضي الهدفان أولاً تحديد اميركا مصالحها في صورة نهائية. وثانياً تحديد ايران مفهومها للشراكة مع اميركا. وهذه عملية قد تستغرق وقتاً طويلاً أي سنوات كثيرة وكثيرة. ويتابعون ان وصولهما الى هذه المرحلة ربما يقتضي انضاجاً للحوار المتنوع. والانضاج يكون بالنار. والنار لا تستعمل الا في الساحة التي يفيد اشعالها في تحقيق الاهداف الكبرى الرسمية وغير الرسمية ولكن من دون ان يتسبب بحريق كبير غير قابل للضبط. وهذه الساحة هي لبنان الذي يعتقد المتابعون انفسهم ومعهم جهات ديبلوماسية متنوعة ان زناراً من النار قد يلفه في مستقبل غير بعيد. الا اذا حصلت تطورات اخرى غير محسوبة.