إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

فضيحة "الموساد" في دبي: معيار الفشل أو النجاح ؟ - رندة حيدر (النهار)

 تحولت عملية اغتيال المبحوح في دبي بعد كشف شرطة دبي تفاصيلها، فضيحة مخابراتية وديبلوماسية وسياسية. وبعد أن كان اغتيال المبحوح في نظر عدد من الخبراء نموذجاً ناجحاً للعملية المخابراتية "النظيفة" و"المتقنة" التي تستحق المديح والثناء؛ أصبحت اليوم دليلاً على اكبر فشل لـ"الموساد" بعد المحاولة الفاشلة لإغتيال خالد مشعل في عمان. الأمر المؤكد أن تورط "الموساد" في اغتيال المبحوح سيخلق أزمة كبيرة في العلاقة بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة التي تسعى إسرائيل الى علاقات ودية معها، وتعتبرها من بين الدول الأساسية التي تحتاج الى دعمها في حال نشوب مواجهة عسكرية مع إيران. فما حدث يشكل تعدياً صارخاً على سيادة إمارة دبي، وتلاعباً بأمنها واستقرارها من الصعب السكوت عليه. الأمر الذي سيزيد من حدة العداء ضد إسرائيل في منطقة حساسة للغاية، وفي توقيت سيئ، حيث تتصاعد التهديدات يوماً بعد يوم من احتمال نشوب حرب ضد إيران.
من جهة اخرى تجد إسرائيل نفسها محرجة تجاه عدد آخر من الدول الأوروبية الصديقة مثل فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيرلندا التي استخدم منفذو العملية جوازات سفر تعود اليها، الأمر الذي أحرج السلطات الرسمية في هذه الدول التي سارعت الى توضيح موقفها مع السلطات الإماراتية. صحيح انها ليست المرة الأولى التي يستخدم فيها "الموساد" جوازات سفر أوروبية في عملياته، لكنه هذه المرة وسع دائرة الدول المستهدفة، مما سيؤدي حتماً الى  أزمة ديبلوماسية حقيقية بين إسرائيل وهذه الدول التي مهما كان حجم تحالفها مع إسرائيل ودعمها لها؛ فهي لن تقبل التورط في مثل هذه العمل المخابراتي الفاشل مع دولة مهمة في نظرهم مثل دبي. وبالفعل فإن بوادر هذه الأزمة بدأت في الظهور أمس بعدما تحدثت الصحف الإسرائيلية عن استدعاء السلطات البريطانية والإيرلندية سفيري إسرائيل لديها وطالبتهما بتقديم توضيحات.
 لقد سبق لـ"الموساد" أن استخدم جوازات سفر أجنبية مثلما حدث مثلاً مع منفذي المحاولة الفاشلة لإغتيال خالد مشعل في عمان الذين  كانوا يحملون جوازات كندية، مما أدى يومها الى احتجاج كندي شديد. وعلى ما يبدو يفضل عملاء "الموساد" في عملياتهم في الخارج استخدام جوازات سفر حقيقية، وهم لهذا الغرض يلجأون الى سرقة جوازات أشخاص من دول اجنبية لإستخدامها في عملياتهم، مثلما حدث قبل سنوات في نيوزيلندا عندما اعتقل عملاء لـ"الموساد" بتهمة سرقة جواز سفر أحد المواطنين في الدولة، وأدى الأمر الى نشوء أزمة في العلاقات الديبلوماسية بين الدولتين.
ولكن لجوء عملاء الموساد هذه المرة الى استخدام جوازات سفر أوروبية يحملها مواطنون إسرائيليون أحياء، أدى الى نشوء مشكلة خارجية و داخلية في آن واحد. فلقد فوجىء عدد من الإسرائيليين بصورهم منشورة من جانب شرطة دبي بصفتهم مشاركين في العملية وملاحقين من قبل الأنتربول. في الوقت الذي كل الدلائل تشير الى أنهم لم يغادورا إسرائيل قط وقت حدوث العملية في دبي. الأمر الذي وضع "الموساد" والسلطات الإسرائيلية في موقف صعب ومحرج للغاية أمام مواطنيها أنفسهم، الذين يسألون اليوم من الذي يتحمل مسؤولية ما يجري، والى من يجب ان يتوجهوا؟ وكيف يمكن أن تستغل أجهزة المخابرات مواطنيها بهذه الصورة البشعة؟
ولا تقتصر الورطة الداخلية التي أثارتها عملية اغتيال المبحوح على ذلك، وانما يبدو أنها قد تؤدي الى طرح مصير مدير "الموساد" مئير داغان الذي جدد بنيامين نتنياهو ولايته. أسئلة كثيرة مطروحة اليوم داخل إسرائيل حول مسؤولية داغان عن الفشل، ومسؤولية نتنياهو أيضاً. حتى الآن يرفض "الموساد" اعطاء أي توضيح للإتهامات الموجهة اليه، كما كذبت أواسط مقربة من داغان نيته الإستقالة من منصبه. ولكن الأمور ما زالت في بدايتها، ومن الصعب اليوم توقع انعكاسات افتضاح اغتيال المبحوح على رئاسة "الموساد".
المفارقة الكبيرة التي كشفها التحقيق الذي قامت به شرطة دبي أن التدابير الأمنية الصارمة التي تطبقها الإمارة على كل أراضيها وبصورة خاصة كاميرات المراقبة، وهي الموجهة تحديداً ضد العمليات الإرهابية، كانت السبب الأساسي لإفتضاح هوية المجموعات التي راقبت المبحوح وتبعته ودخلت الى غرفته وقامت باغتياله. من الآن فصاعداً كاميرات المراقبة وأجهزة تتبع المخابرات الهاتفية وكل تكنولوجيا الاتصالات ستكون العدو الأول الواجب تعطيله من جانب أي عملية مخابراتية لأي دولة انتمت. وهكذا تحولت الإجراءات الأمنية المشددة ضد الإرهاب الى سيف مصلت ضد الإرهاب الرسمي للدول ولنشاط مخابراتها. تحدثت التقارير الكثيرة التي نشرت عن العملية عن زرع المجموعة التي نفذت الإغتيال أدلة تؤدي الى توريط جهة عربية. وكانت حركة "حماس" قد اتهمت السلطة الفلسطينية بالتورط في العملية لا سيما بعد تسليم الأردن فلسطينيين يشتبه في انهم كانوا على صلة مع مسؤول العملية. ولكن هناك تقارير أخرى تقول ان المعتقلين ينتميان الى"حماس" وليس الى حركة "فتح"، مما يورط أطرافا داخلية في الحركة في العملية. "كرة الثلج" التي تحولت اليها عملية اغتيال المبحوح لم تنته فصولها بعد. والأكيد انها ستحمل الكثير من المفاجآت غير السارة لـ"الموساد" ورئيسه، ولدولة إسرائيل

← العودة إلى مختارات