نجاح طوني بلير... العراقي - جهاد الزين (النهار)
الخلاف الاميركي – الاميركي، والخلاف البريطاني – البريطاني، والخلاف الاوروبي – الاوروبي... كل هذه الخلافات الغربية – الغربية حول قرار غزو العراق واسقاط صدام حسين ونظامه ستستمر طويلا بين السياسيين والمؤرخين والمعلقين في "بلاد المنشأ" تلك... بلاد "صناعة" غزو العراق... وكانت شهادة رئيس الوزراء البريطاني السابق طوني بلير امام لجنة تحقيق بريطانية رفيعة قبل بضعة ايام، محطة مهمة في هذا السجال ذي المستويات المتعددة السياسة الاخلاقية بين الغربيين...
شهادة طوني بلير... وهو ليس شاهدا بل فاعل اساسي في مسار ذلك الحدث... كانت فعلا كمرافعة على مستوى عال من الاداء يستحق الدرس "النصوصي" كما السياسي ولربما ايضا بعد مشاهدة فيلم فيديو لكامل "المحاكمة" درس "لغة الجسد" نفسها من حيث علاقتها بموضوع النقاش نفسه... تقوم بها لجنة من كفاءات فنية مختلفة. فكما كتب احد المعلقين في "الاندبندنت" كانت جلسة الاستجواب محاكمة فعلية حتى لو انها في الشكل القانوني لم تكن تملك وضعية المحكمة.
دفعتني المشاهد التي عُرضت من جلسة التحقيق مع بلير الى بعض المقارنة (الصعبة) مع المحاكمة التي تعرض لها الديكتاتور الروماني نيقولاي شاوشيسكو بعد اعتقاله مع زوجته اثر الثورة التي قامت ضده في بوخارست عام 1989.
الفوارق كبيرة جدا بين "المحاكمتين"... في الشكل وفي المضمون، بل في السياق والشخصين والموقعين و"النظامين"... لكن عنصرا مشتركا مدهشا بدا لي جامعا – وقد حضرتُ يومها على التلفزيون الفرنسي في باريس كامل تسجيل اعتقال ثم محاكمة ثم اعدام شاوشيسكو – هو ان كليهما بطريقة ما نجح في "الاستقواء" على "محاكميه": شاوشيسكو في عدم اعترافه الدائم بـ"قضاته" وهو وضع لم يستطع صدام حسين خلال محاكمته ان يحققه رغم محاولاته تقديم نفسه كرئيس "شرعي" للعراق... وطوني بلير في نجاحه حتى اللحظة الاخيرة بعدم الرضوخ الى منطق تهمة خوض حرب تحت مبرر كاذب (حصول صدام على اسلحة دمار شامل) عبر رفض تقديم اي "أسف" او "اعتذار".
لكن النقطة الاهم في نجاح بلير الخطابي كانت في نقله الذكي لنقاش ضرورة الحرب من كونها حربا تحصل بسبب امتلاك صدام حسين لاسلحة دمار شامل الى كونها حربا لمنع النظام العراقي من امتلاك اسلحة دمار شامل في المستقبل.
تطرق التحقيق مع طوني بلير الى عدد من النقاط الدقيقة، اجاب عنها بخبرة رجل دولة محنك، بما فيها، مسألة هل كان يجب اسقاط نظام صدام بدون حتى خطر اسلحة دمار شامل: كانت اجوبة بلير تقول بضرورة الاسقاط رغم اصراره على ان مسألة اسلحة الدمار الشامل تبقى "المسألة – المفتاح"؟!
هنا نصل الى النقطة التي تعنينا في العالم العربي وتجعل السجال الراهن والمستقبلي حول غزو العراق عام 2003 مختلفا من حيث الاولويات على الاقل، ان لم يكن جوهريا عن النقاش الغربي – الغربي.
كان يجب ان يسقط هذا النظام الاستثنائي. انه نظام استثنائي حتى كديكتاتورية. لا شبيه بين الانظمة العربية بنظام صدام. نظام دمر مجتمعه، هجّر ملايين من العراقيين، وبدد – ايضا بما لا شبيه له – بثروات جيل كامل. كان القتل في عهد صدام لا يحصل بمجرد موت الضحية او الضحايا الجماعية. الموت كان يحصل عندما يعلن النظام او يوحي بمسؤوليته عن هذا الموت، لان وظيفة القتل كانت في الترهيب، ترهيب المجتمع. كانت الجريمة التي لا يصل خبر مسؤوليته عنها كأنها لم تحصل من وجهة نظر هذه الوظيفة الترهيبية.
لا شك ان الخلاف بين النخب العراقية سيستمر ايضا طويلا على صورة العراق بعد سقوط نظام صدام. وهذا خلاف طبيعي بل شرعي. لكن قطعا فان النخب العراقية، حتى الجزء الذي يعارض الوضع الراهن، كان معظمه يريد الانتهاء من ذلك النظام الرهيب.
بهذا المعنى وبمناسبة شهادة طوني بلير فان المقارنة بين اتجاهي النقاش الغربي – الغربي والعربي - العربي، يوصل الى ما يمكن اعتباره تمييزا بين اولويتين يفرضهما اختلاف "الموقع" اي "المصلحة العليا" اذا جاز التجريد بهذه الطريقة:
الموقع الغربي الذي يطرح – على الاقل في الخطاب العلني – وضعية العراق في النظام العالمي، في الصراع العربي – الاسرائيلي، في المصالح النفطية الاستراتيجية.
لا يعني الامر طبعا ان العرب لا يشتركون في الاهتمام بهذه القضايا – لكن "الموقع" العربي من حيث صورة المستقبل وطموحاته التحديثية، بمعنييها التنموي والديموقراطي يفرض مسألة "طبيعة" النظام العراقي السابق بذاتها كمسألة ذات اولوية مع الاسئلة المواكبة: هل كان سقوط النظام ضرورياً بمعزل (واعرف ان عربا كثيرين لا يقبلون "بمعزل"!) عن طريقة الاسقاط؟
في المشترك بين قضايا "النظام العالمي" الذي كان طوني بلير كرئيس وزراء بريطانيا احد اقطابه، وبين العالم العربي، لا شك ان مستقبل الوضع العراقي سيحسم مسائل نقاشية ذات مفعول "رجعي" يتعلق بحرب 2003: هل سيتقدم العراق ديموقراطيا ويزدهر اقتصاديا ام ستتغير خارطته ويكون الغزو قد حقق مهمة "شطبه"؟
ولا خيار لنا الا دعم مشروع العراق الديموقراطي المزدهر... الجديد... ايا تكن مساوئ بعض نخبته الجديدة... لبلد يستعد خلال عقد من السنوات وربما اقل لكي يصل انتاجه النفطي الى ما بين عشرة ملايين و12 مليون برميل يوميا اي ما يزيد عن الانتاج اليومي للنفط السعودي!