أميركا «إنسانية» أحياناً! - الياس حرفوش (الحياة)
المصيبة تجمع. هكذا جمعت كارثة الطائرة الأثيوبية اللبنانيين الذين تفرّقهم السياسة حول كل شيء. جاءت هذه الكارثة صدمة، نأمل بأن يدوم مفعولها، خففت الاحتقان الذي كان يسيطر على المناخ السياسي، حيث كانت تدور معركة بين فريق يدعو الى البدء ببحث الغاء الطائفية السياسية وفريق مقابل يطالب بمنح المغتربين حق التصويت، وهما المشروعان اللذان تميز النقاش حولهما بلهجة طائفية خالصة، على رغم الغطاء الوطني الذي يزعم انصار المشروعين أنهم يلتحفون به.
المصيبة تجمع. من كان له أن يتصور، مثلاً، البوارج الحربية الأميركية تمخر عباب البحر اللبناني من دون اية ردة فعل حول هويتها أو دورها الذي كان يوصف دائماً بـ «المشبوه»؟ في وقت مضى كانت هذه البوارج، اذا أطلت عبر الشاطيء، تشعل حروباً أهلية في لبنان وتغيّر نهج حكومات. ها نحن نكتشف فجأة، نتيجة كارثة جوية لم تحدد اسبابها بعد، أن بواخر «الشيطان الأكبر» تستطيع أن تلعب دوراً انسانياً حيث تعجز السلطات المحلية عن ذلك. حتى الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله لم يتجاهل تقدير المساعدة التي قدمها الأسطول الأميركي في مجال البحث عن جثث الضحايا وحطام الطائرة وصندوقها الأسود، من دون ان يشير اليه بالإسم، ولو انه ابدى عتباً على عجز الأجهزة اللبنانية عن ذلك، ودعا الى تحسين مستوى الطوارئ الإنسانية لمواجهة كوارث محتملة في المستقبل، سواء كانت اسبابها بشرية كالحروب، او طبيعية كالزلازل وما شابه.
لم تُسمع في لبنان أصوات، مثل تلك الأصوات المريضة التي سمعناها على هامش عملية الإنقاذ التي قادتها القوات الأميركية بعد كارثة الزلزال في هايتي، تتحدث عن «احتلال اميركي». قد يكون السبب هو الهوية التي ينتمي اليها العدد الأكبر من ضحايا الطائرة الأثيوبية. هذه الهوية الغالبة هي التي اشار اليها السيد نصرالله بوضوح عند تعزيته اهالي الضحايا بقوله «إنّ الذين فقدناهم بالأمس هم عبارة ـ في الأعم الأغلب ـ عن أعزاء كانوا يعملون ويجهدون ويكدون سنوات طويلة من أجل حياة أفضل وعيش كريم لعائلاتهم ولأهاليهم وأيضاً لوطنهم ولشعبهم». بناء على ذلك قد يكون سبب السكوت عن نشاط البحرية الأميركية في البحر اللبناني هو الحاجة الى سحب جثث هذا «الأعم الأغلب» من الضحايا من قعر البحر وتسليمها الى ذويها، وهي العملية التي تبين ان الجهة الوحيدة القادرة تقنياً عليها هي سلاح البحرية الأميركية الذي تنتشر بواخره في البحر المتوسط.
قد يكون السبب الذي دفع ايضاً الى عدم الاعتراض على المساعدات الغربية، والأميركية خصوصاً، ولو على مضض، هو حجم الروايات التي ترددت حول السبب الحقيقي لكارثة الطائرة، والذي لم يعد يمكن الرد عليه بيقين كامل الا من خلال انتشال صندوقها الأسود والإعلان عن مضمون تسجيلاته. خصوصاً بعدما كثرت التكهنات التي افترضت تعرض الطائرة لعملية تفجير، على خلفية ان مسؤولين في «حزب الله» كانوا ينوون السفر على هذه الرحلة الى اديس ابابا ومنها الى دول افريقية اخرى. ورد الحزب بغضب على هذه التكهنات معتبراً انها تسيء اليه كما تسيء الى عائلات الضحايا.