إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

من الرسالة المفتوحة إلى الوثيقة السياسية لـ"حزب الله": الاحتفاظ بالثوابت - عباس الصباغ (النهار)

أثارت الوثيقة السياسية الأخيرة لـ "حزب الله" جدلاً حول مدى انعطافة الحزب وتراجعه عن الكثير من المسلمات التي أكدتها الرسالة المفتوحة في 16 شباط 1985، وبالتالي تخلي "حزب المستضعفين" عن النبرة الحادة واللغة المتشددة. في المقابل يرى البعض ان الوثيقة لم تحمل جديداً، وانما أعادت تأكيد ثوابت "حزب الله" عبر لغة معتدلة.
ماذا حملت الوثيقة من جديد، ولماذا انقلب توصيف "حزب الله" للوضع الداخلي؟
في هذا التحقيق (من جزءين) محاولة للاضاءة على أبرز بنود الوثيقة السياسية واستعادة أهم بنود الوثيقة الأولى.
في المؤتمر الثامن ولدت الوثيقة السياسية لـ "حزب الله"، بعد نحو ربع قرن على اعلان "الرسالة المفتوحة" في 16 شباط 1985.
الرسالة المفتوحة أعلنها النائب السابق السيد ابرهيم أمين السيد من على منبر حسينية الشياح، وللأمر دلالة الى الالتزام الديني لـ "حزب الله". وكانت الوثيقة الأولى موجهة الى المستضعفين في لبنان والعالم، وتحمل دعوة لاقامة الدولة الاسلامية في لبنان، "اذا ما اختار الشعب اللبناني ذلك". وبدت الرسالة أقرب الى بيان حزبي يدعو الجماهير الى الانضمام لحزب المستضعفين.
مرت الأعوام وتبدلت الأوضاع على وقع المتغيرات الكبرى في العالم والمنطقة وجاءت الوثيقة ملتزمة ثوابت "حزب الله"، وان ادخلت عليها نكهات يسارية ماركسية و"فتحاوية ثورية".
وكان لافتاً اصرار الامين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله على قراءة الوثيقة السياسية حرفياً خلال المؤتمر الصحافي الأخير، والتي ابتعدت في المضمون عن أدبيات الاعلان الأول، وكأن الوثيقة لحزب آخر. وجاء توصيف الوضع الدولي أقرب الى توصيف اليسار اللبناني، خصوصاً حول "مشروع الهيمنة الأميركي"، ومهاجمة "الرأسمالية المتوحشة"، وكأن "حزب الله" ضد النظام الرأسمالي، علماً أن ممثله في الحكومة الاولى للرئيس فؤاد السنيورة (2005) لم يعارض خصخصة قطاع الكهرباء.

النظام اللبناني مشروط بالدولة العادلة
أغرقت وثيقة "حزب الله" السياسية في توصيف النظام السياسي اللبناني، ووضعت مهمات عدة أمام الدولة المقبولة منه، وليس عنوان العدالة والقدرة والقوة سوى واجهة فضفاضة لدولة لن تبصر النور في لبنان، الأمر الذي يسمح لـ "حزب الله" بالاحتفاظ باستراتيجيته الى أمد غير منظور، من دون الاقلال من أهمية هذا السلاح في الدفاع عن لبنان ضد العدو الاسرائيلي، وليس من باب الاستخفاف بتضحيات شهداء المقاومة. الا أن الأمر يشي بأن المقاومة باقية كحال مستقلة عن الدولة بتركيبتها الحالية.

الهمّ الاجتماعي... بعيد عن الوثيقة
لم يضمّن "حزب الله" وثيقته السياسية اي اشارة الى المسألة الاجتماعية، ولم يكن تبرير نصرالله مقنعاً ان الوثيقة ليست برنامجاً وسيكون هناك برامج مستقلة، فالحزب وخلال المحطات المطلبية، لم يكن شريكاً في رفض السياسات الحكومية المتعاقبة منذ العام 1992 على الأقل، ولم يشارك جمهوره في التحركات الاحتجاجية العمالية على مدار عقدين من الزمن. وليست تظاهرة 10 أيار 2006 بعنوانها المطلبي إلغاء التعاقد الوظيفي سوى مظلة لأول تحرك مشترك ما بين "حزب الله" و "التيار الوطني الحر" لاظهار قوة ورقة التفاهم بين الطرفين. ولم تكن مشاركته في تحركات الاتحاد العمالي العام في مطلع العام 2007 الا تعبيراً عن طبيعة الانقسام في البلد الذي تفجر في السابع من ايار 2008، وتحت لافتة الاتحاد العمالي الذي دعا الى تظاهرة نقابية مزعومة لم تنطلق صبيحة السابع من أيار. وما ينقص بوضوح في "عدة الشغل الحداثية" التي ارادها الحزب، هو غياب اي مساهمة اقتصادية جدية، باستثناء الفقرة الرقم 9 من الفصل الثالث المؤلفة من 3 أسطر، والتي تستعيد عموميات عن اهمية القطاعات الانتاجية وخلق فرص العمل، لا معنى محدد لها اليوم، وحتى لا يوجد أي خلاف حولها. وهذا أمر مستغرب قياسا بالاهتمام الذي أبداه المركز الاستشاري لـ "حزب الله" بالميدان الاقتصادي الاجتماعي على امتداد العقد الفائت.
من جهة ثانية تكاد أدبيات "حزب الله" تخلو من تعابير دولة الرعاية الاجتماعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وغيرها من البديهيات التي تنص عليها معظم برامج ووثائق الأحزاب اللبنانية، ربما يعود اغفال هذه الفقرة الى عدم تأثر جمهور "حزب الله" بالأزمات الاقتصادية، واعتمادهم على التقديمات التي توفرها مؤسسات الحزب.

نقاط التحوّل في سياسة "حزب الله"
يرى البعض ان الوثيقة السياسية لـ "حزب الله" تعبر عن انعطافة حادة في توجهات الحزب، خصوصاً ان "الرسالة المفتوحة" كانت حاسمة في رسم سياسة متشددة للحزب تجاه عدد من القضايا الداخلية والخارجية. وفي السياق اعتبرت الرسالة المفتوحة أي طرح للاصلاح السياسي في النظام الطائفي لا يعني "حزب الله" وكذلك الاشتراك في الحكومات (...)"، وأيضاً رفض الحزب اي اتفاق لوقف اطلاق النار مع اسرائيل، ووصف القوات الدولية بوديعة الاستكبار العالمي وهي متواطئة مع العدو مما يضطره الى التعامل معها تماماً كما يتعامل مع العدو الاسرائيلي. أما في خصوص أعداء الحزب فحددتهم الرسالة المفتوحة بأميركا واسرائيل وفرنسا وحزب الكتائب اللبنانية.
كان هذا في العام 1985، اما بعد 24 عاماً عمد "حزب الله" الى اجراء "تنزيلات" على لائحة الأعداء تجاوزت الـ 50 في المئة، وباتت اسرائيل عدوة الحزب ولم تعد فرنسا عدوة، وايضاً سحب العداء لحزب الكتائب.
اما القوات الدولية في الجنوب فان الحزب بات يتعاطى معها على قاعدة القرار 1701، والتحول الأكبر عنده كان بقبوله وقف اطلاق النار، ولو في شكل جزئي مع العدو وتكرس ذلك بالمعادلة التي أرساها تفاهم نيسان 1996 لجهة معادلة تحييد المدنيين مقابل عدم قصف المستعمرات الشمالية الاسرائيلية، وأكثر من ذلك دخل الحزب في مفاوضات غير مباشرة مع العدو لاسترجاع عشرات المعتقلين اللبنانيين والعرب من المعتقلات الاسرائيلية عبر مبادلتهم بأشلاء الجنود الاسرائيليين الذين اختطفتهم المقاومة الاسلامية في عمليات نوعية عدة كان آخرها في 12 تموز 2006، ومن ابرز عمليات التبادل تلك التي اجراها في الاعوام 1998 و2004 و2007.

حداد: لا جديد في الوثيقة
يعتبر الأستاذ الجامعي الدكتور انطوان حداد انه لا جدوى سياسية من العودة الى "الرسالة المفتوحة" عند تحليل "الوثيقة السياسية" لـ "حزب الله"، الا للمهتمين بدراسة التطور التاريخي لهذا الحزب. والمسألة الأهم اليوم تكمن في الدور الراهن للحزب وما يثيره من انقسام واسع في الهيكل السياسي الاجتماعي اللبناني.
ويضيف: "بالعودة الى "الوثيقة السياسية"، فان كل من كان يبحث عن جديد مباشر فيها قياساً بمواقف السنوات الأربع الماضية لا شك في أنه اصيب بالخيبة، اذ لا جديد على هذا الصعيد، بل توثيق ومراكمة وتربيط وتنظير (بالمعنى العلمي) للمواقف والخيارات والسياسات التي اعتمدها "حزب الله" في الماضي القريب. لكن في حد ذاته ليس بقليل، أذ انه يوفر للباحث وللسياسي وللمهتم عموما نصا تفصيليا يتضمن موقف "حزب الله" من مروحة واسعة من القضايا الراهنة ويجب البحث عما هو لافت.
اللافت أولاً أنه، رغم الاستعانة بعدد من الآيات القرآنية في مطلع النصّ وخاتمته، هناك حرص على استخدام لغة "مدنية"، بمعنى غير دينية، اي لغة متاحة للفهم والتواصل والتفاعل مع شريحة واسعة من الطيف الاجتماعي والثقافي اللبناني، خصوصاً خارج النطاق الاسلامي، وفي شكل أخص لدى المسيحيين ولدى الشرائح المدنية او العلمانية في الطوائف الاسلامية.
فضلاً عن اللغة، هناك جهد مبذول للاحالة على مجموعة من القيم ليست بالضرورة مستقاة من الثقافة الاسلامية، بل ينتمي معظمها الى الثقافة ذات المنبع الغربي بشقيها الليبرالي والماركسي – الاشتراكي. وبالتالي هي قيم تتشاطرها مجموعات ثقافية واجتماعية أوسع من ذوي الثقافة القرآنية او الثقافة الاسلامية بالمعنى الضيق للكلمة التي حرص الحزب على الانتساب اليها وتعميمها لدى نشأته". ويخلص حداد الى ان الوثيقة حرصت وفي شكل لافت على خلق مساحة لغة وقيم مشتركة تنتمي الى عالم "الحداثة" وتخاطب جمهورا أوسع من الجمهور التقليدي الذي اعتاد "حزب الله" مخاطبته. وهذا أمر لا يجب الاقلال من أهميته، وهو دليل الى ان هناك رغبة في التواصل وكسر الجدران ونسج التحالفات.
وقد يذهب بعض منتقدي "حزب الله" الى القول أن نزعة التوسع والهيمنة تتطلب أيضاً خلق هذا النوع من المساحات المشتركة، لكنني شخصيا لا اتبنى بالضرورة هذا الرأي".
ويرى انه من الطبيعي ان تكون النقطتان الأكثر اثارة للجدل والخلاف في الوثيقة: مقولة المزاوجة بين الجيش والمقاومة، ومقولة التمسك بالنظام التوافقي الى حين إلغاء الطائفية السياسية.
وفي حين لا يرى حداد مشكلة حقيقية في الصياغة الحرفية لهاتين النقطتين، يلفت الى ان الحكم عليهما من قبل منتقدي الوثيقة تم في ضوء قراءة المواقف والممارسات الفعلية لـ "حزب الله" في السنوات الماضية. فالمقولة الاولى تستبطن، في نظر هؤلاء، اصرارا من "حزب الله" على الاحتفاظ الى امد غير منظور بمنظومة مسلحة تعمل خارج امرة الدولة اللبنانية، مع كل ما يستجلبه هذا الامر من اخطار ومحاذير داخلية وخارجية، فيما المقولة الثانية تستبطن انتزاع "حزب الله" لحق الفيتو على مجمل آليات عمل النظام اللبناني. في المقابل، نص الوثيقة لا يذهب الى هذا الحد، لكنه لا ينفيه، بل يبقي نوعاً من الغموض المتعمد حول النقطتين. كل ذلك، بالتزامن مع مواقف خارج النص، ومنها تحت قبة البرلمان، تذهب الى تثبيت المخاوف والظنون المذكورة.
على الرغم من ذلك، يمكن استخدام هذا الغموض المتعمد في اتجاهين: اما تكريس توقعات منتقدي "حزب الله" ووثيقته عبر المحافظة على الستاتيكو المحمي بالسلاح الذي نشأ بعد اتفاق الدوحة وتم تجديده مع تشكيل الحكومة الحالية، أو مبادرة "حزب الله" الى الانفتاح الحقيقي على تسويات تتجاوز هذا الستاتيكو، تسويات وفاقية بالفعل وغير مفروضة بالقوة.

المزاوجة المؤقتة... دائمة
"المزاوجة ما بين الجيش والمقاومة" من اهم البنود التي طرحتها الوثيقة، يعلق حداد: "يمكن ان تشكل نقطة انطلاق جيدة للحوار في اتجاه تسويات خلاقة من هذا النوع اذا ابدى "حزب الله" استعداداً لان تتم هذه المزاوجة في كنف الدولة وليس خارجها، على غرار ما نطرح نحن في "حركة التجدد الديموقراطي" منذ سنوات مثلا. كذلك في ما يتعلق بالتوافقية المرحلية، لا مشكلة حول المبدأ او التعبير. المشكلة هي في المضمون: هل التوافقية تعني حق الفيتو أم حق التعطيل بالقوة؟ هل من حق المجموعات او الاحزاب اللجوء الى العنف لتطبيق هذا "الحق"، على غرار "حق حماية السلاح بالسلاح" مثلا؟ لا توجد اي ديموقراطية توافقية في العالم تعمل على هذا النحو.
ويؤكد حداد ان تطور الامور في هذا الاتجاه او ذاك يعتمد على الوظيفة التي يريدها "حزب الله" لهذه الوثيقة: هل هي وسيلة لاستقطاب المتشابهين معه، أم قاعدة للنقاش مع الآخرين المختلفين عنه ومعه؟
الاجابة عن هذا السؤال لا يمكن العثور عليها في نص الوثيقة، انما من خلال سلوكيات "حزب الله" ومواقفه اللاحقة. وفي هذا المجال، يفضل حداد لو اعتمد خصوم الحزب قدراً من الترحيب الحذر بالوثيقة، او اقله التحفظ قبل مهاجمتها في شكل منهجي وقبل التأكد من النيات الفعلية لـ"حزب الله" في هذا المجال، ويختم: "من يشهر في وجهك نصاً سياسيا أفضل بكثير ممن يشهر مسدساً او مدفعاً او صاروخاً".
•••
اذا كانت الوثيقة السياسية تعكس رؤية "حزب الله" وتكرس توجهاته للمرحلة المقبلة مع التأكيد غير المباشر على مرجعية اتفاق الدوحة الذي اعقب احداث السابع من ايار 2008، لكن كيف رسمت الرسالة المفتوحة مسار الحزب خلال العقدين المنصرمين وما ابرز بنودها؟
 

← العودة إلى مختارات