أولويات لبنانية - ساطع نور الدين - (السفير)
عندما يصبح الجدال حول برنامج «لول» الفكاهي الحرج على تلفزيون التيار العوني، أو السجال حول التعيينات الادارية هما الشغل الشاغل للبنانيين جميعا، يكون لبنان قد استعاد بعضا من رشده، واسترد القليل من عافيته، واكتسب التواضع الذي افتقده طوال السنوات الخمس الماضية، والذي كان ولا يزال شرطا ضروريا للحؤول دون انفجاره مجددا.
لعلها مجرد استراحة محاربين تعبوا من خوض حروب خيالية انتهت الى هزيمة الجميع من دون استثناء، وتراجع شعبيتهم، وانكفاء جمهورهم على نفسه، وعلى مخزونه الساخر لكي يضحك، والفكاهة ليست من ميزات اللبنانيين ولا من سلوكياتهم ذات الطابع العنفي.. وايضا لكي يسخر من نفسه اولا، ويعوض بعضا من خسائره الذاتية، ويغادر تلك الحقبة السياسية المتوترة التي كانت فيها البرامج الحوارية التلفزيونية تشبه خطوط تماس، يتبادل فيها «المتحاورون» التهديدات والشتائم العلنية، التي وجدت طريقها الى الشارع أكثر من مرة.
وهي بهذا المعنى خطوة الى الأمام، تعني بشكل ما أن لبنان يبذل جهدا جديدا لطرد شبح الحرب الاهلية ولو عن طريق استدعاء أشباح اخرى، كما تعبر عن ارتقاء المجتمع اللبناني وتطوره من بيئة تعيش وتتقبل أخطر المحرمات، القتل، وتتكيف مع أحط العصبيات، الطائفية والمذهبية، الى بيئة طبيعية الى حد ما تبحث مرة اخرى عن قيمها وأعرافها وتقاليدها، وبالتالي عن قواسمها الاجتماعية المشتركة، وعن المعايير الموحدة التي يمكن اللجوء اليها في أي جدال حول أي قضية.. أو عن «الآليات» الثابتة التي يمكن الاحتكام اليها من أجل تنظيم العلاقات بين اللبنانيين على مختلف المستويات.
لكن محتوى هذه الخطوة الانتقالية يسيء الى مغزاها الذي يمكن اختصاره بأن المجتمع اللبناني يغادر السياسة التي كانت وستبقى، حسب التعريف والتقليد اللبناني، مجرد تنظيم للفترات الزمنية القصيرة الفاصلة بين الحروب الاهلية، أو مجرد تحضير للحرب المقبلة، وينأى بنفسه عن قياداته السياسية التي أحيطت في وقت من الأوقات بهالات القداسة، ويستعد لمواجهة التحدي مع مسلّماته الدينية وربما في مرحلة لاحقة الطائفية والمذهبية أيضا، ليصبح مجتمعا أقل تعصبا وأشد رحابة.
المهم الآن أنه يتحول الى مجتمع أقل تسيسا، أو أقل اهتماما بالشأن السياسي. غير أن الانتقال من الإباحية السياسية الى الإباحية الاجتماعية سواء في برنامج «لول» أو في مسلسل التعيينات الادارية أو غيرها من عناوين الجدال المحلي، يمس عصبا لبنانيا ما زال مشدودا، وما زال يمكن أن يرى في مثل هذه البرامج هدفا سياسيا أو حتى يعتبرها استكمالا لمعارك لم تنته في ساحات الوغى اللبنانية. وهو أمر أقل خطورة بلا شك من أي نقاش يمكن أن يفتح مثلا حول العلاقات مع سوريا أو ايران أو فلسطين، لكنه أشد إثارة مما يمكن أن يحتمله العقل اللبناني.
هي بداية حقبة التواضع الوطني التي تتمثل في انطواء اللبنانيين على أنفسهم، وعلى أولوياتهم الحقيقية التي غيبت طوال خمس سـنوات، كاد فيها لبنان يبدو أنه مفتاح الحرب والسلم في العالم كله.