الزعيم جورج غالاوي - حسام عيتاني (الحياة)
عندما يطالب جورج غالاوي «الأمة العربية من بلاد المغرب إلى البحرين بالوقوف إلى جانب فلسطين» ففي ذلك إعلان يداني السوريالية عن مآلات القضية الفلسطينية.
دعونا من لفظية «تخلي الأنظمة العربية عن القضية المركزية»، فواقع الحال أن «الأنظمة» لم تتخلَ عن قضية لم تتبناها أصلاً سوى بمقدار ما أفادت مصالحها الآنية والمباشرة. أما مركزية القضية اليوم فمحلُّ تساؤل عميق عما تشكله بالنسبة الى ملايين العرب إذا أخرجت من سياقها الديني باعتبار فلسطين والقدس أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ومن انقلابها أداة في صراعات لا ناقة للفلسطينيين فيها ولا جمل.
دعوة غالاوي، معطوفة على الصِدامات بين المشاركين في قافلة «شريان الحياة» ومؤيدي «حماس» من جهة وبين عناصر الأمن المصريين من الجهة الثانية، تشير الى أن القضية الفلسطينية أصبحت مقياساً لنشاط القوى الشعبوية ولتآكل فاعلية النظام العربي الرسمي في آن واحد. وليس من عاقل يصدق أن تحالف النائب البريطاني صاحب السجل الملتبس في العلاقة مع صدام حسين وغيره، و «حماس» والمشاركين الآخرين في القافلة، باستثناء قلة من أصحاب النوايا الطيبة، قادر على تقديم شيء إلى أهالي غزة يزيد عن الفتات وعن موجات من الصخب والغبار الدعائيين اللذين يمكن توظيفهما في اتجاهات شتى.
في المقابل، تثير الطريقة الشديدة التوتر والانفعال التي تتعامل بها السلطات المصرية مع القافلة ومنظميها في الوقت الذي تغرس فيه جداراً فولاذياً في الأرض لوقف عمل الأنفاق بين غزة والشطر المصري من مدينة رفح، علامات استفهام كبيرة عن أحوال تتجاوز هاتين المسألتين إلى ما يتعلق بمدى ثقة المسؤولين المصريين باستقرار موقع مصر ودورها، خصوصاً إذا استعيدت اللهجة الغاضبة التي ردت بها السلطات المصرية على طلب «حماس» تعديل ورقة المصالحة المقدمة الى طرفي الانقسام الفلسطيني والغليان الذي قوبلت به ملابسات أحداث لم يمر عليها الزمن.
وتحسباً لتهمة الإجحاف بحق مصر، من المهم القول إن العديد من الحكومات العربية تتشارك مع القاهرة في الحالة هذه، شراكة باتت تشكل ظاهرة عامة تطاول النظام العربي الرسمي برمته وتتخطاه الى البنى السياسية والثقافية والاجتماعية العربية في أوجه عدة.
ما من جديد في تشخيص الأزمة العربية العامة. بيد أن الجديد يكمن في تقدم قوى من نوع غالاوي وغيره لاحتلال مساحات أوسع في النشاط والحيز العامين المحيطين بالقضية الفلسطينية التي ما زالت تشكل ميزان الضغط في العالم العربي.
غني عن البيان أن دولاً وأحزاباً وأجهزة أمنية ووسائل إعلام تبذل الكثير من الجهود لتضخيم دور غالاوي ومن هم من طينته. لكن الإنصاف يقتضي القول ان نجاح الجهود هذه يتأسس في المقام الأول على غياب البدائل العربية والفلسطينية وعلى نوع من التكاسل والتكلس اللذين يعاني منهما العمل العربي بحيث بات يعجز عن القبض على نبض الشارع، من جهة، وعلى تفاقم المخاطر التي تنطوي عليها سياسات الحكومات الإسرائيلية المتصاعدة التطرف والعدوانية، من جهة ثانية، وتوظيف الأول في عملية ردع للثانية، طالما أن العرب ما زالوا على تمسكهم بعملية السلام «خياراً استراتيجياً» وحيداً.
النظرة المتأنية الى دعوة غالاوي «الوحدوية» تقول إن استمرار الأمور في المسار الحالي سيفضي بالعرب إلى مواقف وأماكن غريبة فعلاً، يتعرضون فيها الى المزايدة الإعلامية والسياسية من حيث لا يتوقعون ولا يريدون.