خيار الوسطية.. الفضاء بدل الإطار (2 ـ 2) أم جريــس وأم أحــمد - هاني فحص (السفير)
مرة حصل نقاش بيني وبين سامي عبود المناضل النحّال.. العسل. بائع العسل.. فلم نتفاهم.. كنا قد تباعدنا زمناً.. ثم نسينا أننا اختلفنا.. قلت له: يا سامي لن يسعنا سوى حاضر موصول أو مشتق من ماضينا.. وافق بحماسة وقال: يجب أن نبقى في فلسطين ونعود منها إلى لبنان. وإن أتينا لبنان من غيرها.. فلربما لم يعد لبنان لبنان.. وعقب: أنا لم أكره طائفتي ولا مرة.. وعندما ذهبت إلى فلسطين كانت راضية.. وهي لا تريدني أن أعود إليها وأنا لا أريد.. أما إذا غادرت فلسطين فإني سأعود لأزم طائفتي عليّ. أصادرها وأحولها إلى قطيع وأتبعها.. لا أريد.. واتفقنا على أن نلتقي في مكتب صلاح بكري.. الذي أطربني عندما أخبرني أنه لا يزال وثيق الصلة قلبا وفكرا ووجدانا وذاكرة وحلما مع معين.. الطويل.. معين الطاهر.. ومع يسار التي ظننا أنها خطفت منا معين.. وإذا بها تعيده إلينا أطول قامة وأشد عافية وأصفى رؤية... بحيث غفلنا تماما عن قسم من قدمه ما زال مختفياً بين حجارة قلعة الشقيف التي كانت معركتها المميزة بقيادته حتى أصبحت درسا في العسكرية الاسرائيلية... وفاجأني صلاح في عمان ولم يعوزني أن أقول شيئا. بدأنا وكأننا لم نفترق... وسألت عن كثيرين فابتسم معين وقال: أنت مدعو إلى العشاء في منزلي.. ووجدتهم ريما.. وفتحي.. وحسن.. وعروب وهاني الهنيدي ورزان وسري وعبدو ومها وهاتفنا أبو الفتح وحسن صالح وتذكرنا محمود العالول ومحجوب وراجي ومحمد البطل وأبو الفهود.. وحلويات أبو علي... وقرأنا الفاتحة لروح جواد وسعد ومروان وحمدي وأبو قاسم وعلي والحاج حسن ودلال.
بعد مشاركتي في حركة مزارعي التبغ عام 1972 بدا لي أني استرعيت انتباه مجموعة من الشباب المميزين في منظمة العمل الشيوعي، في الفترة التي أخذت فيها أزمة المنظمة تتفاقم، حيث احتاط عدد كبير من كوادرها المتقدمة لأنفسهم فتواصلوا مع حركة فتح، منسجمين على مستوى الجامعة، مع فصائل سياسية ذات توجه معتدل وغالبية مسيحية ميالة إلى التمايز عن اليمين واليسار معاً (الجبهة الوطنية الطلابية) والتي دعتني بواسطة الدكتور سعود المولى، الطالب في كلية التربية يومها، إلى عدة ندوات في الجامعة اللبنانية، وكانت تواكب نشاطاتي المختلفة... ما انسحب على مجموعة من شباب المنظمة في المنطقة، وعلى رأسهم الشهيد المميز حسن بدر الدين ومعه شوقي ورشيد ونجيب وغيرهم... ووصلت المودة بيننا وبينهم، وقبل انضمامهم إلى التنظيم إلى حد أنهم شكلوا جهاز التوزيع الأول لنشراتنا، خاصة نشرة الأرض إلى هؤلاء وغيرهم، كان عدد من نشطاء تنظيم فتح في القطاع الأوسط (منطقة صور وبنت جبيل)، على مقدار من الحماسة لعملنا إلى حد أننا التبسنا بهم والتبسوا بنا (محمد حسين شمس الدين، محمد أسعد، حسن محسن وحسن بزيع ألخ) ووصل الأمر إلى مناصرتنا والدفاع عنا بعدما قررنا حل التنظيم والعمل بشكل أكثر استقلالية، ما أدى إلى تنافر بيننا وبين الأطر الفتحوية في الجنوب، النبطية خاصة والقطاع الأوسط، وكان هؤلاء متأثرين بشخصية أسهمت في تأسيس العمل الفتحاوي في الجنوب أعني المرحوم الشهيد جواد أبو الشعر الذي كان يصر على الزيادة الدائمة لجرعة الحرية والتمايز التنظيمي والفكري داخل الإطار الفتحاوي... وعندما قرر أحدهم أن يضايقنا بكتابة تقارير عن سعينا المزعوم إلى إيجاد بديل لفتح وشق صفوفها و(تصهير) طروحاتها.. تصدى محمد حسين شمس الدين ومعه الشباب إلى هذا الأمر مستعيناً بالشهيد بلال الذي كان وقع في البداية في إغراء التهمة التي لفقها التقرير. من هذا المسرب دلفنا إلى علاقة تكاملية وشفافة مع اللجان الشعبية الديموقراطية، التي كان الأستاذان عبد الحسن الأمين (أبو ميسون)، وعلي يوسف طليعتها.. ومعها انفتحنا على أعماق فتح اللبنانية في بيروت والبقاع والشمال وابتدأنا نفكر معاً في تنظيم منفصل ومتكامل مع حركة (فتح) وتم اختيار عنوان «حركة لبنان العربي».. بعدما اختار الرائد أحمد الخطيب قائد جيش لبنان العربي الانضمام إلينا، على ما أفادنا يومها السيد عبد الحسن الأمين... وتشكلت لجنة من حركة فتح للنظر والتشاور في الأمر، وكانت الغاية منها إبطال المشروع ومحاسبة القيادات الفتحاوية اللبنانية الوسيطة التي انحازت إليه، بناء على رغبة المرحوم أبو إياد، الذي كان الأنشط في تفشيل الفكرة وتهديد حامليها وصلاح بكري خاصة بسبب أهميته في تنظيم فتح. وإن كان أبو عمار وأبو جهاد قد عمدا إلى الالتفاف علينا كما أخبرنا المرحوم جواد أبو الشعر، والأخ صخر حبش، فانتبهنا وتراجعنا أوائل العام 1979 وأصبحت الفكرة ذكرى... وكانت علاقتي في هذه الفترة قد توثقت مع أبي داود وشخصيات سياسية مناضلة من أمثال الدكتور نواف سلام.. الذي انفجر في لحظة من اللحظات وابتعد وذهب إلى استكمال دراساته العليا مصراً على التواصل والوفاء وعدم التنكر لرفاقه وماضيه... وكانت قد استهلكت سيارته الرينو الكحلية طراز 12 على طريق الجنوب والعرقوب حيث كنا نتابع معاً قضايا سياسية وميدانية بروح أخوية عميقة منفتحين على مواقع وشخصيات تميزت بدرجة عالية من النبل والعطاء. وهنا أخص بالذكر الأب مكرم قزح، ضيف العرقوب الدائم وفقراء النبعة... والراهبة العزيزة الأخت نبيهة التي ما زالت في صيدا حتى الآن تعطي بسخاء وصمت بليغ.
أما محجوب عمر (رؤوف نظمي) القادم من أبو قرقاس في صعيد مصر فقد كان مثالا مدهشاً في تواضعه وثقافته وسلوكه وأبوته. لقد كانت فلسطين هي بوابتنا على الاختيارات الوسطية الجامعة التي ربينا أنفسنا عليها.. ولم تكن فلسطين بوابة لنا إلا على فلسطين، ولولا اسرائيل واحتلال فلسطين والاعتماد الدائم للحركة الصهيونية على العداء والاستعداء والاعتداء من أجل تأمين استمرارية الاحتلال وتوسعه وتجديد دوره في إعاقة النهوض العربي المصاب بالتراكم المتواصل للجهل والتخلف... ولولا ما يعني كل ذلك من خطر على لبنان الكيان والوطن والدولة والمواطن والمواطنة والنمو والعمران والحرية والتعدد المهجوس بالوحدة والوحدة المؤسسة على التعدد.. لما أقدمنا على أي تشكيل أو تنظيم يقترب قليلا وفي حدود الضرورة من آليات تكوين الأحزاب ويبقى مهددا بخطر الحزبية الضيقة والاختزالية، مما يستدعي الاحتياط بإبعاده ما أمكن، عن العقائدية السياسية والايديولوجيا والتركيز على طابعه المطلبي والبرنامجي... خاصة أننا صمدنا منذ أوائل الستينيات، أمام إغراءات ومضايقات التنظيمات الحزبية الإسلامية في النجف وإغراءات ومضايقات الأحزاب القومية واليسارية، منطلقين في صمودنا من اتهام كل فصائل حركة التحرر العربية بالكسل، لأنها لم تبذل الجهد المعرفي اللازم لوضع أسس نظرية ملائمة لتكويننا الثقافي والاجتماعي، لنبني عليها تنظيماتنا السياسية المطابقة.
وعليه فإن اسرائيل أو فلسطين هي الهدف... أما كيف؟ فقد كانت عواطفنا أقوى وأسرع من إمكانياتنا ومن قراءتنا المبسطة لشروط النضال وإمكانياته.. كنا نرى ونغض الطرف، عن الألغام التدميرية التي زرعها النظام العربي في جسم المقاومة الفلسطينية، ليعيق تقدمها ويفرض عليها انتكاسات، ما كانت لتتحقق لولا قابلية في الداخل، ومساهمة غير محمودة للفصائل القومية واليسارية العربية في تغليب الشقاق على الوفاق على طريق فلسطين والتبعية على الاستقلال... لم نكن نعلم ان إمكانياتنا البسيطة، ليس بإمكان نوايانا الطيبة ان ترفع من حجمها وفعلها، وأن السبيل الوحيد للحصول على الإمكانيات هو الإتباع والبيع والابتياع وعندما تصبح تابعاً، حتى لأقرب الناس وأحبهم إليك، يبدأ بتوجيهك إلى مساره وفصلك عن مسارك، وإخراجك من سيرتك لإدخالك في سيرته. ومن هنا أضأنا الشارة الحمراء لعملنا التنظيمي وقلنا يذهب كل منا ليقاتل اسرائيل حيث يشاء، ونبقى أصدقاء وأحباء متشاورين متحابين.. فذهب أكثر الشباب إلى الكتيبة الطلابية، وانسجموا وأقاموا على الحدود فترة خاضوا فيها مع الكتيبة وحركة «أمل» معارك مشرفة من شلعبون إلى رب ثلاثين والطيبة ومارون الراس، انتهاء إلى المعركة الاستثنائية في أول أيام الاحتلال في العام 1982 في مارون الراس، بقيادة معين وعلي بوطوق وغيرهما، وغياب مروان كيالي في دورة عسكرية لم يلبث ان عاد بعدها ليبذل جهداً غير عادي في ترميم المجموعات المقاومة والسهر على إنهاء حرب المخيمات والمشاركة ـ حتى جرح ـ في معركة الجبل ضد التمدد الصهيوني إلى بيروت بعد خروجه منها. محاولاً ذلك من خلال إحكام السيطرة على الجبل...
إلى الشهادة مع حمدي وأبو قاسم في لارنكا بعبوة صهيونية: والأساس في هذا أننا لم نكن مستعدين للدخول في الحرب الأهلية اللبنانية أو في القتال اللفظي أو العملي ضد سوريا، بعد منعطف عام 1976 الذي قلنا مآخذنا عليه وتفهمنا له من دون أن نخطب ود أحد لأن حبنا لدمشق لم يعلمنا عليه أحد... لقد جاهرنا سياسياً برفض قرار العزل الذي ثبتت أنه قرار ارتجالي ومزاجي قاصر... ولم نقبل بصيغة الإدارة المدنية والأمن الشعبي... حتى اتهمنا.. وانتهينا بأننا ليس لدينا جريح أو شهيد في الحرب الأهلية.. بلى كان هناك جرحى وشهداء من أحبائنا لم يقاتلوا ولم يقتلوا بناء على رأي منا.. وكان هناك شهداء ومظلومون من أهلنا يصلون إلى قرانا تباعاً، فنبكي ونغضب ونندد بمرتكبي مجزرة السبت الأسود او غيرها ولكننا لا نعلن ارتياحنا لما حصل في الدامور بعيداً عن الضرورات العسكرية، من فتك تقدمي بكل القيم والمسلمات الوطنية والإنسانية.
كانت ولا تزال فلسطين تجمعنا من أجل لبنان الذي لا نرى خرابه عماراً لفلسطين... ولا نرى خراب فلسطين عماراً له أو لغيره... يقيننا بالثوابت لا يتغير... والمتغيرات لا بد من الثبات في قراءة تحولاتها وإلا تكل`سنا عقلاً وروحاً ولغة.
من هنا أحببنا المطران كبوجي وكتبنا عنه ورفعنا صوره في منازلنا واستذكرنا بشغف المطران حجار الذي بزغ مبكراً وقبل النكبة واحتلته فلسطين حتى أصبح مطرانها... وعقدنا صلة حب وود، مع المطران بولس الخوري المهجر من مرجعيون. وخطبت وإياه في قاعة الجامعة العربية في بيروت في ذكرى مرور أسبوع على استشهاد خالد بشارة. الذي ناضل مع كل عائلته من دون استثناء، ومن لولا عبود بنت عمته وشقيقها إلى سهى بشارة بنت عمه. وعندما هدم منزله وطرد مع أهله من دير ميماس.. قرر أن تكون أول عملية يقوم بها بعد تهجيره، في قريته... واستشهد بعدما لامست قدماه وعيناه ترابها فلامست قلبه الذي خفق عليها أول خفقة وآخر خفقة. لقد كانت أم جريس بشارة من دير ميماس حماة المناضل العراقي سليل الأسرة العلمية والنضالية في العراق (علي الشبيبي) زوج فريدة والمناضل علي الشاب (أدهم) زوج رجاء. وأم أحمد القرى أم الشهداء التي حولت منزلها في البسطة التحتا إلى مدينة حافلة بالفكر والحب والنضال.. كانتا ولا تزالان... أمّين للجميع.. كأمهاتهم أو أكثر... لم يكن اختلاطي بأجواء أم أحمد متيسراً لي.. أو أني تقاعست عنه تقصيراً ولكني استطعت أن أعوض لاحقا من خلال التواصل مع عبد السلام وآمنة... التي فجعتني عندما رفعت الاختلاف بيني وبينها في لحظة سياسية حرجة إلى مستوى من الخصومة القاسية... ولم يصدقني أحد عندما كنت أخبر العارفين بأني (زعلان) من آمنة.. أما أم جريس فقد حملت عصاها وكادت أن تنال من ظهري بها لأني تأخرت عن عيادتها في مرضها.. وهي قالت لمن زاروها إنها تعتقد أن زيارتي تساهم في شفائها... قصدتها مع شوقي إلى دير ميماس فوجدت زوجة الشهيد مروان وابنتيه في حضنها وكأنها أم وأب.. وانهالت الذكريات على مطل قلعة الشقيف ونهر الليطاني وزيتون الهوارة. في هذه الأثناء كنا ندور في لبنان... نصل إلى حيث يتاح لنا، نناقش ونعلم ونتعلم... وقر قرار عبد الحسن الأمين (أبو ميسون) أن يتحرر قليلا من عقائديته البعثية من دون عداء، وأن يقترب من الأطروحات المرنة، فوجد نفسه بيننا أو وجدنا أنفسنا إلى جانبه... لم أعد أفترق عنه منذ نهايات عام 1976. وشدني أكثر عندما أظهر براعته في إصدار نشرة أسبوعية باسم (الوحدة) تعلمنا من خلالها الكتابة الهادئة في أمور ساخنة.. وانطلقنا منها إلى تشكيل مع خليل بركات وسامي حمود لجنة تدعو إلى السلام الأهلي وإنهاء الحرب من خلال حركة اتصالات وبيانات. أرجو أن يكون (أبو بهاء) قد احتفظ بها لأنها تمثل بدايات في رؤية لبنانية موزونة ومتوازنة.. ونشرة الوحدة تذكرني بالمناضل الفذ والنادر والمثقف الموسوعي.. هلال محمود رسلان، الذي كان يتحامل على شيبته وتراثه النضالي المميز... بل الباهر الذي بهرنا عندما عرفنا تفاصيله... ويحمل النشرة يدور بها في الجبل... يوزعها مستعينا بالشباب.. مستريحا في منزل محمد أو حاتم ملاعب قليلا على طرف بيصور... معرجاً على طرف كيفون.. أيقظني من نومي.. وعاتبني على الأخطاء المطبعية في كتاب ثوري حقيقي أشرفت على ترجمته ونشره... ولم تلبث ان تحولت النشرة إلى مجلة الوحدة عام 1980... وجمعت حساسيات مختلفة حتى أصبحت مؤسسة حوار يعمل فيها وجيه كوثراني وحسن الضيقة وسعود المولى ورضوان السيد وهاني فحص وعلي يوسف ألخ. ويطل عليها من آن لآخر الدكتور عادل عبد المهدي الآتي من العراق حاملا تراثاً من الفكر والنضال والاستقامة والانفتاح، أهله لنيابة رئاسة الجمهورية في العراق الجديد والصعب ولكنه يأمل ويتوقع خيراً كثيراً. من عادل وأمثاله.
أحببنا المطران كبوجي وكتبنا عنه ورفعنا صوره في منازلنا واستذكرنا بشغف المطران حجار الذي بزغ مبكراً وقبل النكبة واحتلته فلسطين حتى أصبح مطرانها... وعقدنا صلة حب وود، مع المطران بولس الخوري المهجر من مرجعيون. وخطبت وإياه في قاعة الجامعة العربية في بيروت في ذكرى مرور أسبوع على استشهاد خالد بشارة