إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

ماراثون للتاريخ - ساطع نور الدين (السفير)

هي من المرات النادرة التي يركض فيها اللبنانيون في وقت واحد وفي اتجاه واحد، فينطلقون من خط انطلاق محدد ويصلون الى نقطة نهاية متفق عليها.. من دون أن يعرضوا البلد لأي خطر جدي سوى المزيد من انتشار فيروس انفلونزا الخنازير.
عدا سباق الماراثون الذي نظمت دورته السابعة امس في شوارع بيروت، لا يمكن العثور على أحداث أو مناسبات يمكن أن توفر مثل هذا التفاعل التنافس اللبناني الصحي والهادئ والنبيل.. الذي ظل مع ذلك مشوباً بالكثير من علامات الاستفهام، ومصحوباً بالكثير من اللقطات المثيرة لمسؤولين وسياسيين شوهدوا للمرة الأولى بالزي الرياضي، ما حمس الجمهور ودفع مخيلته لرسم صور افتراضية لأولئك الذين امتنعوا عن المشاركة في السباق وحرموا اللبنانيين من رؤية سيقانهم العارية.
كما هي العادة في مثل هذه المناسبات الوطنية، حضر جمهور الرابع عشر من آذار في سباق الماراثون، وبقي فريق الثامن من آذار في منازلهم، ولأسباب لا يمكن أن تعزى هذه المرة الى السياسة أو حتى الى الطقس، بل ربما يمكن أن تنسب الى التاريخ.. الذي كان وسيظل يفصل بين الفريقين حتى يوم القيامة، مناقضا لأجواء المصالحة والتهدئة، ولمفاعيل حكومة الوحدة الوطنية، التي تستعد لتعريض اللبنانيين لماراثون خطابي أشد خطورة طوال هذا الاسبوع.
سباق الماراثون ليس جزءا من الثقافة الرياضية الغربية فحسب، بل هو ايضا مستوحى من أسطورة تاريخية لا يمكن أياً من اللبنانيين ان يخطئ مغزاها اليوم، خصوصا أنها تحكي قصة إعلان انتصار الإغريق على الفرس في معركة حاسمة دارت رحاها في مدينة «ماراثون» اليونانية في العام 490 قبل الميلاد. يومها ركض المحارب اليوناني فيديبيدس من دون توقف مسافة 42 كيلومترا الفاصلة بين تلك المدينة وأثينا لكي يبلغ أهلها أن المقاتلين اليونانيين تمكنوا من هزيمة جيوش الملك الفارسي داريوس الكبير.. على أن المؤرخ اليوناني الأول هيرودوتس أثار بعض الشكوك حول تلك الواقعة التي لا تمت الى الرياضة بصلة، لكنها تحولت الى تقليد عالمي لا تخلو منه أي دورة أولمبية أو إقليمية أو وطنية في أي دولة، بما فيها ايران التي تشكك كتبها التاريخية طبعا بنتائج تلك المعركة.
من الصعب أن يكون اللبنانيون قد استعادوا وقائع تلك الأسطورة القديمة، قبل أن يتخذوا قرارهم بالمشاركة في السباق، أو بالمقاطعة، أو بـ«التحفظ على بعض بنوده»، ليس فقط لنقص في معلوماتهم التاريخية، بل ايضا لأن أحدا منهم لا يجرؤ على الادعاء بأن لبنان هو في محل أثينا القديمة، أو على الزعم أن ايران اليوم هي في مكانة الامبراطورية الفارسية القديمة، أو أن رئيسها الحالي محمود أحمدي نجاد هو في موقع داريوس الكبير، مع أنه يشبهه قليلا .. أو أن ثمة محاربا لبنانيا من فريق 14 آذار مثلا، سيركض مسافة 42 كيلومترا لكي يعلن النصر على الفرس، قبل أن يلقى مصير المقاتل اليوناني «فيديبيدس»، الذي مات مع بشارته على أبواب عاصمة الاغريق!

← العودة إلى مختارات