إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

فرنجية يخرج نهائياً من «جلباب» عون... جبل لبنان نموذجاً - ملاك عقيل (السفير)

مقارنة بسيطة بين الأمس واليوم تكرّس موقعاً لم يفقده يوماً، سليمان فرنجية حتى في اللحظة التي ورد فيه اسمه على اللائحة الاتهامية «للمشاركين» في التغطية على اغتيال رفيق الحريري. عام 2005 «البيك» يخسر الانتخابات ويشرّع بنفسه أبواب الزعامة المسيحية لميشال عون. تغرق بنشعي في سكون «المقاطعة» السياسية فيما يعلو ضجيج «المبايعة» للجنرال في الرابية. يحسن سمير جعجع إدارة محركات «استعادة النفوذ» في الشمال والتمدد خلسة في القرى من عمق المحافظة حتى الحدود، ويزهو العونيون بنتائج «تسونامي» اسكرتهم لأربع سنوات ولم يستفيقوا بعد، و«تيار المستقبل» يحاول جرف بقايا تأثير الزعيم الزغرتاوي في المناطق الشمالية... تمويل سعودي وأميركي لخصومه في زغرتا وما بعد زغرتا، أما «البيك» فيكتفي بولاء مجموعته السياسية وبرصيد العلاقة الشخصية مع بشار الأسد ويتمسك به رغم هول العاصفة... مع ذلك صورة فرنجية لا تهتز، لا تجد عملياً من يزاحمه على زعامة تبدو من المسلمات وعلى دور سياسي «انتفخ» بعد عام 2005 رغم سقوطه النيابي، والأهم ان تحالفه مع ميشال عون لم يأت صورة «طبق الأصل» عن المشهد الذي كرّس التحاق رموز الوصاية السورية بـ«الموجة» العونية. «البيك» جلس على طاولة «الجنرال» باقتناع راسخ ان قائد الجيش السابق هو الذي التحق أخيراً بالخطاب العروبي الانفتاحي لسليمان فرنجية، لكن حسابات زعيم زغرتا لم تشمل إمكانية «مزايدة» الجنرال عليه في مسايرة دمشق. مع ذلك لا يتردد سليمان في تكرار لازمة إقراره بكون عون «الزعيم المسيحي الأول»، في اعتراف نادر عند الموارنة بأسبقية زعامة على أخرى.
لم تكن محطة السابع من حزيران سوى فرصة لتعزيز زعامة وحضور رئيس «تيار المرده»، وبدء العمل جدياً للخروج من عباءة زغرتا الاقطاعية والعائلية نحو الورشة السياسية «المنفلشة» صوب مزيد من المصافحات مع أخصام الأمس. وفي مقابل برودة عونية في العلاقة مع بعبدا وبكفيا وبيت الوسط والمختارة، انطلق فرنجية من نقطة الصفر في بناء جسور التواصل البناء مع رئيس الجمهورية ميشال سليمان، برزت أولى أسسها في المفاوضات الماراتونية التي جرت قبل دخوله قصر بعبدا، ومع أمين الجميل، ومع سعد الحريري بداية عبر أحد مساعدي فرنجية قبلان يمين، ثم في لقاءات التكليف الأول والثاني وغداء بيت الوسط ولاحقاً في مفاوضات man to man لتأليف الحكومة بين «الشيخ» و«البيك»، ومع جنبلاط لاعباً دور «المؤذّن» لفك الصيام العوني عن لقاء أشرس الأخصام في الجبل. ثمة في قواعد «تيار المرده» من تخلى عن شعار «انت البطرك يا سليمان» مستبدلاً إياه بشعار أكثر واقعية وقرباً للمنطق والتنفيذ «انت الرئيس يا سليمان». فرصة ضاعت على «الجنرال»، وفي حسابات «المَرَديين» ان «البيك» يملك كل الحق لمحاولة اقتناصها. هذا يفسّر برأي كثيرين إعادة التموضع المدروسة والمنظمة «لسليمان بيك»، والتي خضعت لأول اختباراتها أثناء مشاورات تأليف الحكومة، والرصد العملي لوزير «تيار المرده» في الأربع سنوات المفترضة من عمر الحكومة سيتكفّل أكثر في توضيح الصورة. جغرافياً بات «البيك» أقرب الى العاصمة وملفاتها، بعد انتقاله للسكن في الرابية على بعد أمتار قليلة من «المقر العام» للجنرال، لكنها لن تكون كافية لتغيير رأيه في المشاركة الشخصية في اجتماعات «تكتل التغيير والاصلاح» التي حرّر نفسه منها منذ البداية. «سليمان بيك»، كما يقول العارفون، لا تستهويه أبداً الاجتماعات الدورية، والأصح أنها تأسره، وهو يفضّل العمل الصامت أحياناً لنتيجة أكثر فاعلية. ولن يكون عدد الزيارات الخجول المتبادل بين «الجنرال» و«البيك» مستقبلاً، رغم قرب المسافة، سوى دليل على استنفار صامت على الجبهتين ينبئ باستعدادات بدأت عملياً لمواجهات «ديموقراطية» من نوع آخر بين الحليفين، ستكون الانتخابات البلدية إحدى نماذجها.
نوع من الخيبة من نتيجة الأرقام اصاب بنشعي والرابية، رغم الفوز في الانتخابات. المراجعة النقدية للأخطاء والثغر حصلت بشكل منفصل وليس على طاولة «التكتل»، التي جلس عليها أبو طوني لمرة واحدة مكتفياً بإدارة الاجتماعات المتقطعة لنواب «لبنان الحر الموحّد»، ومتفرغاً «لأمر اليوم» السياسي بعد انتهاء الانتخابات وتأليف الحكومة وشد عصب «المَردَيين» في المناطق. الـzoom in يكشف رغبة ليست جديدة عند فرنجية بالخروج نهائياً من «جلباب» ميشال عون، الستاتيكو الذي فرض نفسه منذ عام 2005، مع الحفاظ على العلاقة التحالفية مع من يعتبره «زعيم المسيحيين الأول»، رغم «غيمات» الجفاء التي سيطرت على أجواء الرابية ـ بنشعي بعد دخول فرنجية طرفاً مقرّراً في تأليف الحكومة، وحتى بعد السخونة الكلامية بين رئيس «تيار المرده» من جهة وعون والوزير جبران باسيل من جهة أخرى على خلفية رغبة الأخير في البقاء في وزارة الاتصالات.
يتمسك إذاً جارا الرابية بتحالف مفتاحه أساساً في الضاحية ودمشق. هذا لا يمنع انصراف «العونيين» و«المَرَديين» الى «استعراض العضلات» الحبي في المناطق المشتركة، من دون أن تغيب صورة الكباش الانتخابي من زغرتا الى البترون والكورة وبشري، مع فارق أساسي يكمن في التضعضع التنظيمي لقواعد «التيار الوطني الحر» والفوضى المنظمة على مستوى الكوادر المناطقية، في مقابل ورشة «مكتومة الصوت» لـ«تيار المرده» في الشمال وجبل لبنان تستهدف رصّ الصفوف مجدداً وتوسيع رقعة الانتشار وإبراز القدرات التنظيمية، على ضوء تجربة «المساكنة» مع «التيار البرتقالي». تجربة فرضت على «المرده»، بعد السابع من حزيران، الركون الى قواعد لعبة جديدة في الاستحقاقات المقبلة عنوانها الاستقلالية لا التبعية مع التمسك «بحبل» التنسيق الالزامي مع الشريك «البرتقالي» في مواجهة «القوات اللبنانية» الخصم المشترك الدائم الاستنفار. سريعاً لملم فرنجية آثار الانتصار الانتخابي غير المرضي والخسارة الفاقعة في الأقضية الأخرى، ترك بصماته في التشكيلة الحكومية واختار يوسف سعادة من خارج الطبقة السياسية التقليدية، والناشط منذ عام 1988 والمرافق لسليمان فرنجية منذ بدء مزاولته العمل السياسي. حالياً يولي «البيك» اهتماماً خاصاً للوضع التنظيمي لـ«تيار المرده» متكلاً على الكادرات الشابة والدينامية الطلابية في المدارس والجامعات والنقابات، ويبقى الهدف الأساس تعزيز الثقل المَرَدي في جبل لبنان. هكذا تمتد «المكاتب الخضراء» من جبيل الى كسروان والمتن وصولاً الى بعبدا، وفي الخلفية تدعيم الوجود المَرَدي بإطار تنظيمي صلب يتكئ على توزيع المهام على القطاعات واللجان.
اختار فرنجية التوقيت الذكي لولوج منطقة نفوذ ميشال عون، بعدما عجز لمدة 15 عاماً عن إقناع الشارع المسيحي بخطابه. كان من الصعب قبل عام 2005 تسويق «بروفيل» من صُنّف أنه رجل سوريا الأول في لبنان، في مقابل تربع «الجنرال» على «العرش» السيادي. تدريجاً بدأ الزعيم الزغرتاوي، بعد تأسيس «تيار المرده» في حزيران 2006، التمدد في أقضية جبل لبنان. وسريعاً ثبّتت الحيثية المَرَدية نفسها، مسجلة أولى نقاطها الرابحة في انتخابات حزيران 2009 متقدمة في الأداء على «الحالة العونية». ثمة من يتحدث اليوم في صفوف المَرَديين عن حد أحمر فاصل بين مرحلتين. في صفحة التعاون الجديدة بين الحزبين «البرتقالي» و«الأخضر» لن يكون مسموحاً سكوت أو تغاضي «المرده» عن تقصير عوني سيجرّ حتماً الى استفادة «القوات اللبنانية» منه لتثبيت أقدامها في مناطق الاحتكاك.
في مقررات اللجنة المركزية التي أشرف على أعمالها سليمان فرنجية اتخذت عدة إجراءات ترتكز على تفعيل محور مخاطبة الشباب واعتماد تنظيم أقوى في القرى، مع بروز رغبة لدى الزعيم الزغرتاوي بإعطاء الكوادر الشابة والمحازبين هامش تحرك كبيراً في المناطق. يقول عضو لجنة الاتصالات السياسية في «تيار المردة» شادي سعد «وضعنا خطة انتشار محددة البنود وتنفذ تباعاً، قائمة على واقع وجود شريحة كبيرة من الموالين لـ«المرده» تتنامى يوماً بعد يوم وتتواجد في أقضية لم تكن تاريخياً موجودة فيها كجبيل وبعبدا وكسروان والمتن. في السنوات الماضية كنا حذرين في التعاطي مع هذه المسألة بشكل علني وكان السؤال هل هي موجة وتنحسر أو ستكون قابلة للحياة. خلال التحضير لانتحابات 7 حزيران تأكد لنا وجود شريحة كبيرة في جبل لبنان مقتنعة بخط «المرده» وطريقة تفكير سليمان فرنجية، واليوم هناك ورشة مستمرة لإعادة تنظيم هيكلية «تيار المرده» في أقضية جبل لبنان». إلا أن أبرز المقررات، كما يشير سعد، هي إطلاق أكاديمية «المرده» للقيادة التي تعنى بتنمية وتخريج الكوادر القيادية، وهي بدأت اعمالها منذ نحو شهر والنتائج العملية ستظهر تباعاً». بتأكيد سعد «بعد عملية التقييم التي أجريناها إثر الانتخابات فإن استحقاق 2013 الانتخابي ستكون ظروفه مغايرة تماماً وفق مقاربة مختلفة تعتمد على تغيير نوعي في المشاركة الانتخابية ترشـيحاً وتحديداً في الكورة وبعض أقضية جبل لبنان».
يحاول المَرَديون في خطابهم طمأنة الشريك المسيحي بأن «الموجة الخضراء» في جبل لبنان لا تأخذ من دربه. السبت المقبل ستقيم هيئة قضاء بعبدا في «تيار المرده» حفل عشاء من المقرّر ان يحضره فرنجية. لن تكون المناسبة سوى محطة في مسيرة تعزيز الحضور في مناطق الحليف «البرتقالي». القسم الكبير الداخل الى صفوف «المرده» من خارج الحالة العونية، يقول سعد، نحن نشتغل على الأرض لتعميم خطنا السياسي والتكامل موجود مع «التيار الوطني الحر» والحلفاء. ووجودنا في جبل لبنان قد يحدث ردة فعل ايجابية لتحفيز التنافس ضمن الخط السياسي الواحد، بدلاً من أن يكون مجرد تنافس سلبي بين خطين متناقضين.

← العودة إلى مختارات