إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

القيامة العراقية- ساطع نور الدين (السفير)

ليست نكسة للتجربة الديموقراطية العراقية الوليدة، بل هي انتكاسة للاستقرار الأمني والسياسي في العراق وفي جميع الدول المجاورة له، التي كانت تتطلع او حتى تخوض معركة الانتخابات النيابية باعتبارها عنصراً من عناصر أمنها القومي، ومقياساً لحجمها ودورها الاقليمي.. وعلاقاتها مع اميركا التي تبدو في هذه المرحلة وكأنها في مرحلة انكفاء اكثر مما هي في مرحلة مراجعة وتعديل لسياساتها السابقة تجاه العالمين العربي والإسلامي.
اذا لم تجر الانتخابات العراقية في موعدها الذي كان مقرراً في 18 كانون الثاني المقبل، فإنه من الصعب إجراؤها في المطلق، من دون تدخل أميركي حاسم يفرض على القوى السياسية في العراق الاتفاق على قانون الانتخابات، الذي يفترض ان يمثل مخرجاً من الازمة التي يواجهها الكيان العراقي في مسعاه لوراثة الوصاية الاميركية المباشرة وتنظيم العلاقة بين اقوامه وطوائفه وبين سكانه ونازحيه وبين أكثرياته وأقلياته التي لا تعدّ ولا تحصى.
التدخل الاميركي في اقرار مشروع القانون الذي نقض بالأمس كان مؤثراً. كاد السفير في بغداد كريستوفر هيل يحضر علانية الجلسات النيابية، ولم يكن ينقطع عن اي اجتماع بين رؤساء الكتل والأحزاب والمجالس المتعددة. ضغط على الأكراد لكي يقبلوا بتسوية ملتبسة ترجئ قضية كركوك، وضغط على السنة لكي يوافقوا على صيغة غامضة لضمان حقوقهم، وضغط على الشيعة لكي يؤجلوا خلافاتهم الى ما بعد الانتخابات. لم يكن مجرد جهد ضاع بالأمس بل لعله نفوذ سقط الى الابد، ولن يستعيده الرئيس باراك اوباما الذي تولى شخصياً الاسبوع الماضي زفّ البشرى الى الاميركيين وتهنئة العراقيين باتفاقهم على القانون وعلى الانتخابات التي يفترض ان تسرع الانسحاب الاميركي من العراق.
لن يجد الرئيس اوباما نفسه مدفوعاً الى اعادة احتلال العراق ولا الى فرض الوصاية عليه. الأرجح انه سيعجل وتيرة سحب القوات العسكرية الاميركية وفق ما هو مقرر وربما قبل المهلة المحددة التي تنتهي آخر العام 2011. لكي يترك للعراقيين ان يتدبروا امورهم بأنفسهم، ويعالجوا مشكلاتهم على الطريقة الوحيدة التي اختبروها منذ الغزو الأميركي في العام 2003، اي المذابح والتصفيات والتغييرات الديموغرافية، التي تلبي الطموحات الجنونية المتعارضة لجميع القوى السياسية من دون استثناء، سواء تلك التي تريد ان تحكم العراق وحدها ام تلك التي تود ان تسترد حكمه ام تلك التي ترغب في ان تنفصل عنه.
وفي هذه الحالة لن يظل احد من دول الجوار على الحياد، ولن يلتزم بقواعد اللعبة السياسية التي لم يلتزم بها أحد أصلاً، بل كادت تؤدي في الاشهر القليلة الماضية الى تدمير معظم المقار الحكومية في بغداد، وهو ما يعني ان الصراع الحالي بين هذه الدول على العراق سيدخل في طور جديد يهدد المزيد من اسس الاستقرار الاقليمي التي قوّضها الاميركيون لدى مجيئهم كما لدى مغادرتهم.
لا التجربة العراقية ولا الاوهام الاقليمية المضطربة تجاه العراق، تسمح بالتكهن بأن سيناريو يوم القيامة العراقي هو مجرد خيال.

← العودة إلى مختارات