إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

في فم الحكومة ملعقة من ذهب - غسان عياش (السفير)

برغم المشاكل البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني، يمكن القول إن حكومة الشيخ سعد الحريري ولدت في ظروف اقتصادية بالغة الإيجابية. وهذا الواقع يزرع درب الحكومة بالفرص الاستثنائية، ولكنه بالمقابل، يرمي بوجهها تحديات ذات وزن.
فللعام الثالث على التوالي يحقق لبنان نموّاً اقتصادياً مثيراً للدهشة، لأنه يولد في ظروف محلية وإقليمية ودولية قاتمة، كان يفترض أن تقود إلى تراجع الاقتصاد الوطني عوض تقدّمه وانكماشه بدل نموّه وازدهاره.
إذا صحّت تقديرات صندوق النقد الدولي، المستندة إلى معطيات السلطات اللبنانية، بأن معدّل النموّ هذا العام سيبلغ 7%، يكون النموّ الحقيقي للناتج المحلي في حدود 20% بين بداية 2007 ونهاية 2009. وتتحقق هذه النتيجة في مرحلة شهدت دفع فاتورة العدوان الإسرائيلي سنة 2006، وأزمة سياسية حادّة، وفراغات دستورية متكرّرة تخللها نقل الصراع السياسي إلى الشارع، فيما يشهد العالم أكبر أزمة مالية منذ ثمانية عقود.
كيف ستتصرّف الحكومة الجديدة انطلاقاً من هذا الواقع؟ فهي ولدت وفي فمها ملعقة من ذهب. ولدت في سنة سجّلت نتائج تاريخية على صعيد معدّل النموّ وعدد السياح وميزان المدفوعات وحجم الاحتياطات الدولية وتراجع الدين العام كنسبة من الناتج المحلي، ناهيك عن نتائج لا سابق لها في القطاع المصرفي لجهة الزيادة الباهرة في مجموع الودائع والموجودات والربحية، في ظل انحسار الدولرة.
ولكن هذه المعطيات الوردية تضع الحكومة الجديدة أمام تحدّيات جمّة وامتحان صعب. فهي مطالبة بتحويل التقدّم الراهن إلى اتجاه مستديم بدل أن يكون ظاهرة عابرة في تاريخ الاقتصاد اللبناني. وهذا يتطلب منها سلوكاً وسياسات ومبادرات منسقة تجعل من نموّ الاقتصاد اللبناني في المرحلة المقبلة ثمرة دينامية داخلية، لأن «العز» الذي نعيشه اليوم لم يصنع في لبنان، بل هو نتيجة عوامل خارجية قادها، بالدرجة الأولى، اللبنانيون غير المقيمين والمستثمرون والمصطافون العرب، ولاجئون هاربون من شظايا الأزمة التي ضربت الاقتصاد العالمي.
يخشى أن تعتمد الحكومة على النتائج الإيجابية الراهنة للاقتصاد لكي تتباهى بمجد لم تصنعه هي، بل خلقته ظروف خارجة عن إرادتها وعن إرادة الدولة السائبة منذ نصف عقد، وأكثر. لأن هذا التباهي قد يمنعها من امتلاك الحوافز اللازمة للعمل الجاد بغية حلّ المشاكل المستعصية المستمرّة حقبة بعد حقبة.
الخطر هو في امتداح الذات نتيجة معدّلات نموّ تحققت في السنوات الثلاث المنصرمة، لأن الاكتفاء بقصائد الفخر لا يكفي للحفاظ على هذا النموّ. وعلى كل حال فإن النموّ المعلن لا يقنع أحدا بأن البلاد وأهلها بألف خير.
إن معدّل نموّ الناتج المحلي، على أهمّيته، ليس دليلاً قاطعاً على سلامة الاقتصاد الوطني بكل مكوناته، ولا هو مؤشر مطمئن إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لسائر اللبنانيين. فالنموّ مؤشر عام وإجمالي لا يتوزع بالتساوي على القطاعات والمناطق والفئات الاجتماعية. ولا يستبعد أن يحمل مؤشر النموّ في أعماقه سبباً لظلم اجتماعي يلحق بالطبقة الوسطى والفئات المهمّشة. فإذا كانت الزيادة في معدّل النموّ ناشئة عن ازدهار استثنائي في قطاع يؤثر على المستوى العام للمعيشة، كالعقارات والبناء، فإنه يكون سبباً في تضخم يزيد عدد المهمّشين ويجعل شروط حياتهم أكثر صعوبة.
وهذا التحليل لا ينبثق من أفكار كارل ماركس وفريدريك إنغلز، أو من الخطاب اليساري على تنوّعه، بل هو همّ من الهموم التي تغزو العقل الرأسمالي منذ زمن.
الرئيس نيكولا ساركوزي، الزعيم الأوروبي الواقع تحت سحر النموذج الأميركي في السياسة والاقتصاد، قاد حملة لتصحيح قياس النموّ والرفاه في المجتمع، والتحرر من «الافتتان المفرط» بالناتج المحلي. فشكل لجنة عالمية من خمسة وعشرين عالماً بينهم خمسة من حملة جائزة نوبل في الاقتصاد، وأحد هؤلاء الخمسة رئيس اللجنة الاقتصادي الأميركي جوزف ستيغلتز.
في تقريرها الذي قدمته قبل أسابيع في جامعة السوربون، وجهّت اللجنة انتقادات لاذعة للاعتماد على الناتج المحلي وحده لقياس النشاط الاقتصادي ودرجة التقدم الاجتماعي، لكونه لا يعكس توزع النموّ على فئات العائلات ولا يظهر الشروط الحياتية لسائر الطبقات الاجتماعية. وقدّمت اللجنة 12 توصية تهدف إلى وضع مؤشر جديد وإلى تحليل الدخل والاستهلاك وفقا لفئات السكان، وليس بالاستناد إلى مؤشر وطني شامل. وقد علق عضو اللجنة الأكاديمي الفرنسي جان بول فيتوسي، بأن معدّل النموّ العالي قد يخفي تردّي أوضاع نسبة مرتفعة من السكان.
وهكذا، فحكومة لبنان الجديدة يجب أن تنطلق من النموّ المحقق والمعلن لتثبيت التقدّم الراهن في النشاط الاقتصادي العام، وفي الوقت نفسه، إيلاء المسألة الاجتماعية اهتماماً بالغاً. ودون هذين الهدفين جدول أعمال حافل ومعروف، يتكرر مع كل خطاب وتقرير وبيان وزاري.
الذين يولدون في عائلات ميسورة يقال عنهم إنهم ولدوا وفي فمهم ملعقة من ذهب. ولهذا التعبير مغزيان مختلفان. إنه صفة مجازية لمن كتب له أن يعيش في بحبوحة من ولادته حتى مماته، أو هو إشارة إلى من ولد غنياً، فتواكل وتقاعس واستهتر بالجهد والعمل حتى أضاع الثروة ومات فقيراً.

← العودة إلى مختارات