العـلاقة بين القضاء الدستوري والبرلمان - عصـام سـليمان (النهار)
العلاقة بين القضاء الدستوري والبرلمان دقيقة ومعرضة للتوتر، فالحساسية لدى البرلمانيين تجاه القضاء الدستوري موروثة، وقد ازدادت نتيجة التحول في المفاهيم. تحوّل تلخص بالتأكيد على ان القانون لا يعبّر عن الارادة العامة الا اذا كان متطابقاً مع الدستور، ما استدعى تقيد البرلمان في عمله التشريعي بما نص عليه الدستور، كونه السلطة التأسيسية Pouvoir constituant التي أنشأت سلطة البرلمان كسلطة مؤسسة Pouvoir constitué. ما تطلب مرجعية دستورية، بالإمكان العودة اليها للفصل في دستورية القوانين والبت في صحة انتخاب أعضاء البرلمان الممثل للشعب. مرجعية أنشأها الدستور نفسه كما أنشأ البرلمان، سلطتها مؤسسة كسلطته، ومناط بها مهمة صون السلطة التأسيسية المتمثلة بالدستور. هذه المرجعية هي القضاء الدستوري.
من هنا الاشكالية التي تحكم العلاقة بين القضاء الدستوري والبرلمان. فكيف يمكن هيئة دستورية، أعضاؤها منتخبون من قبل البرلمان وليس من قبل الشعب، أو معينون من قبل سلطات دستورية، وغير مسؤولين أمام أي سلطة وأمام الشعب، كيف هذه الهيئة ان تمارس رقابة على عمل تشريعي من اختصاص ممثلي الأمة ذات السيادة، المنتخبين بالاقتراع العام، وهم مسؤولون أمام الشعب؟ كيف لهيئة معينة ان تراقب من عيّنها أو من انتخبها؟ وهذا ما دفع بعض البرلمانيين، في صراعهم مع القضاء الدستوري، الى القول نحن نمثل الشعب بينما هم، أي أعضاء المحاكم والمجالس الدستورية، يمثلون رجال سياسة أو أكثرية برلمانية أوصلتهم الى مواقعهم.
هذه الاشكالية تطرح على بساط البحث أموراً عدة، من أهمها شرعية légitimité القضاء الدستوري، وحدود صلاحياته ونفاذ قراراته، ودوره في صون البرلمان ورفع مستوى ادائه.
أولاً- شرعية القضاء الدستوري
اذا كان البرلمان يستمد شرعيته من الشعب عبر انتخابه بالاقتراع العام، وفق الدستور وقانون الانتخاب، فإن القضاء الدستوري يستمد شرعيته من الدور المناط به في صون الدستور، الذي هو التعبير الأسمى عن ارادة الشعب وسيادته، وركيزة شرعية كل السلطات، بما فيها شرعية سلطة البرلمان نفسه. كما ان القضاء الدستوري يستمد شرعيته أيضاً من الدور المناط به في الفصل في صحة تمثيل الشعب على مستوى البرلمان. وكما اناط الدستور صلاحية التشريع بالبرلمان أناط صلاحية مراقبة دستورية القوانين والفصل في الطعون النيابية بالقضاء الدستوري. فمصدر الصلاحيات في الحالتين واحد وهو الدستور.
ان احترام الدستور يفترض احترام المبادئ التي نص عليها، ويأتي في طليعتها، في الدول الديموقراطية، مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات. ويبدو ان الآليات التقليدية لم تعد كفيلة بضمان تحقيقه على الصعيد العملي، وذلك بفعل التطور على مستوى توزع القوى السياسية داخل البرلمان بين أكثرية برلمانية، تنبثق منها الحكومة، في الأنظمة البرلمانية، وتستطيع التحكم بالقرار على مستوى السلطتين الاشتراعية والاجرائية، وأقلية برلمانية معارضة، غير قادرة على تحقيق الفصل والتوازن الفعلي بين السلطتين الاشتراعية والاجرائية. من هنا الحاجة الى وجود ضابط لأداء الأكثرية البرلمانية، يمنعها من الذهاب بعيداً في تحقيق مصالح الفئات التي تمثلها، والتشريع بما يتعارض والدستور، وبخاصة ان الوكالة النيابية في معظم الأنظمة الدستورية هي وكالة غير إكراهية mandat non
impératif، ولا يمكن تاليا محاسبة أعضاء البرلمان الا في الانتخابات التي تأتي دورياً كل أربع أو خمس سنوات، ولا قدرة للشعب على المحاسبة أثناء ولاية البرلمان بين دورتين انتخابيتين. القضاء الدستوري هو الذي يقوم بمهمة ضبط عملية التشريع بما يتلاءم والدستور، وهذا ما يشكل مصدراً من مصادر شرعيته.
وهكذا يبدو ان شرعية القضاء الدستوري تنبع من المهمات التي اناطها به الدستور، ومن الدور الذي يقوم به لتحقيق هذه المهمات. شرعية تترسخ بقدر ما يقوم القضاء الدستوري بمهماته ودوره بفاعلية وحيادية وتجرّد، وتضعف وتتلاشى بقدر ما يتقاعس وينحاز ويتنكر لرسالته السامية. والذي يعزز شرعية القضاء الدستوري حمايته للحقوق والحريات الاساسية التي ضمنتها دساتير الأنظمة الديموقراطية.
ثانياً- حدود الصلاحيات
المجال الذي يعمل في نطاقه البرلمان من جهة والقضاء الدستوري من جهة أخرى، بصفتهما السلطتين المؤسستين المنشئتين للقواعد الحقوقية normes، يتطلب تحديداً دقيقاً للصلاحيات. واذا كانت صلاحية التشريع من اختصاص البرلمان، فإن القضاء الدستوري في بته بدستورية القوانين قد يأتي باجتهادات يذهب فيها بعيداً في تفسير الدستور، ما يجعله بمثابة من يلقن دروساً للبرلمان في التشريع، وهذا ما يقوده أحياناً الى الميل للحلول مكان البرلمان. وهذه أمور تؤدي الى ردود فعل برلمانية ضد القضاء الدستوري.
من المفترض بالقضاء الدستوري الالتزام بحدود الصلاحيات المعطاة له بالدستور. وهذه الصلاحيات ليست عامة في التقويم والتقرير كما هي صلاحيات البرلمان. فليس من اختصاصه النظر في ما اذا كانت الوسائل المعتمدة في قانون ما تؤدي الى تحقيق الأهداف المتوخاة من القانون. فليس للقضاء الدستوري الحكم على الأهداف والوسائل التي يدخل تحديدها حصراً في اختصاص البرلمان، إلا اذا كان هناك خطأ فادح في التقدير، انما على القضاء الدستوري النظر في مدى تطابق نصوص القانون مع الدستور.
وفي تفسيره للدستور، في معرض النظر في دستورية القوانين، ينشئ القضاء الدستوري قواعد normes تلزم المشترع التقيد بها، أو ترشده الى وضع التشريع الذي لا يتعارض مع الدستور. وهذا ما دفع البعض الى اعتبار القضاء الدستوري شريكاً في التشريع co-législateur. واذا كان الشريك هو من يشارك في القرار، فمن يستطيع ان يمنع القيام بعمل ما هو شريك أيضاً. والقضاء الدستوري هو شريك في التشريع حتى في الحالات التي لا يراجع فيها بشأن دستورية قانون، لأن الحكومة والبرلمان، خشية من مراجعة القضاء الدستوري، تلتزمان بالقواعد والمبادئ التي أقرها في اجتهاداته(1). فالقانون اليوم هو نتاج عمل ثلاث مؤسسات، تتنافس في العمل التشريعي، وهي الحكومة التي غالباً ما تكون المبادرة في وضع مشاريع القوانين، والبرلمان الذي يناقش هذه المشاريع ويصوّت عليها، والقضاء الدستوري الذي يمكنه ابطال بعض نصوص القانون وإرشاد البرلمان لتصحيحه، ما يعني ان هناك تنافسا بين هذه المؤسسات الثلاث على وضع القواعدnormes (2).
أما القوانين التي أقرّت باستفتاء عام، والقوانين الدستورية التي عدلت الدستور، فلا صلاحية للقضاء الدستوري للنظر في دستوريتها، كون الأولى اقرّت من قبل الشعب مصدر السلطات، والثانية أقرّها البرلمان بصفته سلطة تأسيسية وليس سلطة مؤسسة.
لقد تطور اجتهاد القضاء الدستوري من النظر في دستورية القوانين في ضوء تطبيق المبادئ الأساسية، الى الانشغال أكثر فأكثر بدراسة حالات ملموسة، وذلك تحت تأثير التوسع في عملية التشريع بفعل التطور التكنولوجي والاقتصادي، دون أن يُحل نفسه محل المشترع في تقويم هذه الحالات، متدخلاً في تفاصيل القانون للتأكد من انها لا تتعارض والدستور. وفي هذا المجال يتساءل ألين دلكمب Alain Delcomp ما اذا كان المجلس الدستوري الفرنسي في طور الانتقال من دور المراقب لدستورية القوانين الى دور قاضٍ فعلي، يغامر في تقويم أوضاع محسوسة، ما يتطلب من القاضي الدستوري قدرة على التقويم تماماً كتلك التي يتمتع بها المشترع(3).
ان الصلاحية التي يتمتع بها القضاء الدستوري في تفسير الدستور والقوانين وانشاء قواعد حقوقية، تجعله في موقع يبدو فيه وكأنه يفرض نفسه على البرلمان، ولكنه في الواقع لا يستطيع أن يمارس هذه الصلاحية الا بناءً على طلب من البرلمانيين أنفسهم، أو من السلطات التي لها حق مراجعة القضاء الدستوري، ما يخلق حالة توازن بينه وبين البرلمان. واذا كان البرلمانيون يتصرفون غالباً بوحي مصالح الناخبين والظروف السياسية، فإن القضاء الدستوري يعمل بدافع الحفاظ على احترام الدستور والمبادئ ذات القيمة الدستورية، وهذا ما يجعله في موقع الضابط لعملية التشريع.
ان القضاء الدستوري، في ممارسته الرقابة على دستورية القوانين، لا يصادر سلطة الشعب صاحب السيادة، وكما يقول العلامة جورج فيديل Georges Vedel، يحصر دوره في الغاء النصوص التي ليس من صلاحية البرلمان، كسلطة مؤسسة Pouvoir constitué، تضمينها القانون، لأن تشريعها يتطلب تعديلاً دستورياً، يدخل حصراً في اختصاص السلطة التأسيسية Pouvoir constituant.
ثالثاً- نفاذ قرارات القضاء الدستوري
قرارات القضاء الدستوري لا تقبل اي طريق من طرق المراجعة، من الناحية المبدئية، فهي نافذة بمجرد صدورها، والسلطات في الدولة ملزمة بتنفيذها، غير ان الدستور في النمسا والبرتغال منح البرلمان صلاحية اقرار النص الذي أبطله القضاء الدستوري وذلك بأكثرية برلمانية موصوفة، ما يحد من فاعلية الرقابة على دستورية القوانين ويجعلها خاضعة في النهاية لارادة البرلمان الذي تتحكم في قراراته عامة موازين القوى السياسية ومصالح الأحزاب أكثر مما تتحكم فيها المبادئ والقواعد الدستورية.
من جهة ثانية، يمكن تجاوز قرارات القضاء الدستوري من طريق تعديل الدستور بما يتلاءم مع النص القانوني الذي جرى ابطاله، اي تطويع الدستور لمصلحة القانون، أو الذهاب أبعد من ذلك وتقليص صلاحيات القضاء الدستوري، غير ان تعديل الدستور يمر عادة بآلية معقدة، ويتطلب أكثرية برلمانية موصوفة، واستفتاءً شعبياً في معظم الأنظمة، ما يجعل تجاوز قرارات المجلس الدستوري من قبل البرلمان أمراً صعب المنال.
من جهة ثالثة، قد تقود المواجهة بين القضاء الدستوري والبرلمان الى لجوء القضاء الدستوري الى الرد على محاولة تعديل الدستور، للإلتفاف على قراراته، وذلك بالنظر في دستورية التعديل الدستوري نفسه قياساً على مبادئ فوق الدستور Principes supraconstitutionnels. وهذا ما سبق وهددت به المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية، وما نفذته المحكمة العليا في الهند عندما قررت، في العام 1967، ان تعديلاً دستورياً طبقاً للمادة 368 من الدستور لا يمكنه المس بحقٍ أساسي، غير أن البرلمان الهندي، في المواجهة مع المحكمة العليا، اضطر الى تعديل المادة المذكورة في الدستور، والقضية نفسها تكررت في العام 1975(4).
رابعاً- القضاء الدستوري وصون البرلمان
اذا كانت العلاقة بين القضاء الدستوري والبرلمان قد اتسمت منذ نشأتها بالحساسية الشديدة، وبلغت أحياناً حد المواجهة المكشوفة، فان القضاء الدستوري في صونه للدستور، يعزز دور البرلمان كمؤسسة معبرة عن ارادة الشعب والسيادة الوطنية، كما يرسخ الديموقراطية من خلال صون الحقوق والحريات الأساسية. وهذا يتحقق من خلال الأدوار التي يقوم بها القضاء الدستوري على مستويات أربعة، تتمثل في تصحيح الخلل في التوازن داخل البرلمان، ومنع البرلمان من التخلي عن صلاحيته في التشريع للسلطة التنظيمية، وتوسيع نطاق مجال التشريع المناط بالبرلمان، والمساهمة في رفع مستوى اداء البرلمان. وهذه أمور تأتي كلها لمصلحة البرلمان عن طريق القضاء الدستوري.
تصحيح الخلل داخل البرلمان:
الخلل داخل البرلمان بين أكثرية برلمانية، تنبثق منها الحكومة، وتتحكّم بالقرار داخل السلطتين الاشتراعية والاجرائية، وأقلية برلمانية معارضة، لا تستطيع ان تشارك في القرار عملياً لكونها أقلّية، هذا الخلل يتطلب وجود مرجعية دستورية تستطيع الأقلية البرلمانية الرجوع اليها لمنع الأكثرية من الهيمنة على مقدرات الحكم، والحيلولة دون تحول الديموقراطية ديكتاتورية الأكثرية. فالديكتاتورية نقيض الديمقراطية ولو جاءت باسم الأكثرية، لأن الديموقراطية ليست حكم الأكثرية وحسب، انما الحكم الذي تحترم فيه الحقوق والحريات الأساسية بما فيها حقوق وحريات الأقلية. وكل من يصل الى السلطة، وكما كان يقول مونتسكيو، يجد نفسه مدفوعاً لتجاوز حد السلطة، واذا كان مونتسكيو قد رأى ان العلاج يكون بالفصل والتوازن بين السلطتين الاشتراعية والاجرائية، فإن عملية الفصل والتوازن هذه باتت نظرية، في العديد من الأنظمة، ولم يعد لها تأثير فعلي في ضبط اداء المؤسسات الدستورية، بما فيها اداء البرلمان نفسه، لذلك يلعب القضاء الدستوري دوراً ضامناً لحقوق الأقلية البرلمانية المعارضة، التي تستطيع اللجوء اليه، وينبغي ان يعطى لها هذا الحق، من خلال التوسع في حق مراجعة القضاء الدستوري، لكي يتمكن من النظر في القوانين التي قد تتعارض نصوصها مع الدستور، وبخاصة مع الضمانات الدستورية للحقوق والحريات الأساسية. ومن المعلوم ان استراتيجية مراجعة القضاء الدستوري رهن بالظروف السياسية الى حدٍ بعيد.
حماية البرلمان نفسه:
وظيفة التشريع مناطة بالبرلمان، وينبغي ان يمارسها كاملة ويذهب فيها حتى النهاية، فلا يجوز له وضع قوانين ناقصة، يترك للسلطة التنظيمية مهمة اكمالها من طريق المراسيم، وبخاصة القوانين التي ترعى الحقوق والحريات الأساسية وكل ما له علاقة بها، فأمر هذه الحقوق والحريات لا يجوز تحويله من البرلمان الى السلطة الاجرائية. وهذا اذا ما حدث يؤدي الى تخلي البرلمان عن جزء من دوره، كما يؤدي الى قطع الطريق على القضاء الدستوري والحيلولة دون ممارسة رقابته على نصوص تضعها السلطة التنظيمية بدل ان تضعها السلطة الاشتراعية، ما يقلص دور القضاء الدستوري في صون الحقوق والحريات الأساسية ودور البرلمان في التشريع. القضاء الدستوري عندما يبطل نصاً قانونياً ترك فيه المشترع للسلطة التنظيمية مهمة القيام بما كان ينبغي على البرلمان القيام به، يؤدي دوراً في حماية البرلمان من نفسه. وهذا ما درج عليه المجلس الدستوري الفرنسي بالنسبة لما يعبر عنه بالفرنسية بمصطلح incompétences négatives(5).
رفع مستوى اداء البرلمان:
لقد لعب القضاء الدستوري دوراً أساسياً في رفع مستوى النقاش في البرلمان، فالمبادئ والقواعد التي تمخضت عنها اجتهاداته، ألزمت البرلمانيين بالتقيد بها، وبالمبادئ والقواعد الدستورية، الى جانب التزامهم بارضاء ناخبيهم والرأي العام. وهذا ما شكل عنصراً ايجابياً في مجال تطوير الاداء البرلماني.
توسيع نطاق صلاحيات البرلمان في التشريع:
يستطيع القضاء الدستوري اصلاح الخلل في التوازن بين السلطتين الاشتراعية والاجرائية، ولو جزئياً، لمصلحة البرلمان. وهذا ما حدث في فرنسا مع تطور اجتهادات المجلس الدستوري الفرنسي، بهدف تقوية البرلمان، من خلال تمدد نطاق عمله في التشريع، بعد ان حصره دستور الجمهورية الخامسة، في اطار ما سمي بالبرلمانية المعقلنة parlementarisme rationalisé، بما ورد في المادة 34 منه. فالمجلس الدستوري الذي أنشئ في الأساس، في الجمهورية الخامسة، كاداة لضمان التقيد بتقاسم الصلاحيات بين السلطتين الاشتراعية والاجرائية، في مجال التشريع، لعب دوراً أساسياً في توسيع نطاق صلاحيات البرلمان، دوراً قبلت به الحكومة، على ما يبدو، لأنها لم تعمد بشكل منتظم الى استخدام صلاحيتها الواردة في المادة 41 من الدستور.
هذا التطور في اجتهادات القضاء الدستوري يدعو الى التساؤل حول ما اذا كان بامكان القضاء الدستوري لعب دور على مستوى تحقيق حد أدنى من التوازن بين السلطتين الاشتراعية والاجرائية في الأنظمة العربية التي تهيمن فيها الثانية على الأولى، وتجيز لنفسها التشريع في الظروف الاستثنائية وفي الفترات التي لا يكون فيها البرلمان في دورة انعقاد. الإجابة على هذا التساؤل ليست بالأمر السهل، نظراً الى ارتباط القضاء الدستوري بالمناخ السياسي، وبطبيعة السلطة القائمة، وبالمرتكزات السوسيوسياسية القائمة عليها، وبشكل عام بطبيعة النظام السياسي وموازين القوى التي تحكم اداءه.
استنتاج
نستنتج مما تقدم ان القضاء الدستوري أصبح عنصراً أساسياً في تحقيق التوازن بين السلطات، والحفاظ على حدٍ من التوازن داخل البرلمان نفسه، ورفع مستوى ادائه. والدور الذي يضطلع به يصب عامةً في مصلحة البرلمان، وان بدا ان هناك تنافساً او تناحراً بين البرلمان من جهة، والمحاكم والمجالس الدستورية من جهة أخرى. فالأزمة في العلاقة بين الفريقين قد تنشأ أحياناً، ويتم تجاوزها، لأن مقتضيات الديموقراطية، بمفهومها الحديث، تتطلب تكاملاً بين الأدوار التي تقوم بها السلطة الاشتراعية والقضاء الدستوري. وتبقى القضية مرهونة بالديموقراطية كنظام وكنهج في ممارسة السلطة.
(1) Michel Troper, justice constitutionnel et démocratie, in
Revue française de droit constitutionnel, PUF, Paris, N°1, 1990, p p.37-38
(2) Dominique Rousseau, Droit du contentieux constitutionnel, Montchrestien, Paris, 1995, p p. 416-420
(3) Alain Delcamp, le Conseil Constitutionnel et le Parlement, Revue française de droit constitutionnel, PUF, Paris, N°57, 2004, p.73
(4) Michel Troper, op.cit. , p.45
(5) Yann Aguila, le Conseil Constitutionnel et la philosophie du droit, LGDJ, Paris, 1993, p.75
(•) مداخلة رئيس المجلس الدستوري الدكتور عصام سليمان في الندوة التي عقدت في الجزائر بدعوة من المجلس الدستوري الجزائري في 31/10/2009
( رئيس المجلس الدستوري اللبناني )