إلى المحتوى
حركة التجدد الديمقراطي
مختارات/

تراجع أوباما أمام نتنياهو نهائي أم تكتيكي؟ - سركيس نعوم (النهار)

بعد انتخابه رئيساً للجمهورية وقبل توليه رسمياً صلاحياته الدستورية تلقى باراك اوباما من مجموعة تضم مسؤولين سابقين كبارا وباحثين اكاديميين دراسة تضمنت عرضاً للصراع الفلسطيني – الاسرائيلي المزمن واقتراحات لانهائه بتسوية سلمية تنشىء دولة فلسطين على اراضي 1967 وتمنح دولة اسرائيل "الشرعية العربية". وهي ما كانت تفعل ذلك لو لم تكن مواقف اوباما المرشح متوافقة مع هذا الاتجاه ولو لم يكن مستعداً لترجمتها عملياً بعد دخوله البيت الابيض رئيساً. وبقيت هذه المواقف على حالها تقريباً على ما بدا في الخطاب "التاريخي" الذي القاه في جامعة القاهرة في الخامس من حزيران الماضي. وفي مواقف لاحقة له اعلنها سواء في واشنطن او خارج بلاده وكان عمادها الى ضرورة معاودة المفاوضات بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية وحل الدولتين تجميد الاستيطان في كل الاراضي المحتلة بما فيها القدس الشرقية.
الا ان الموقف الذي اعلنته وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون قبل يومين من اسرائيل ناقض تماماً مواقف رئيسها المشار اليها اعلاه. بل ناقض حتى مواقفها هي التي اعلنتها اكثر من مرة منذ تسلمها مسؤوليات الخارجية الاميركية قبل اكثر من تسعة اشهر. واهم ما فيها كان الترحيب الواسع باستعداد اسرائيل "غير المسبوق" لمعاودة مفاوضات السلام مع السلطة الوطنية الفلسطينية مع تقييد جزئي للاستيطان. وقد اثار ذلك سؤالاً مهماً هو: هل هناك بداية تناقض في المواقف بين اوباما وكلينتون في ما يتعلق بالصراع الفلسطيني – الاسرائيلي وطريقة تسويته سلماً؟
والجواب طبعاً هو كلا. وكل من يعتقد بوجود تناقض او بداية تناقض في المواقف بين الرئيس الاميركي ووزيرة خارجيته يقع في خطأ كبير ويكون واهماً. وكذلك يكون مخطئاً وواهماً من يعزو تغير موقف كلينتون المشار اليه اعلاه الى تغير في موقف أوباما. فهو لا يزال استناداً الى عدد من العاملين معه على اقتناعاته كلها. لكن الظروف لم تساعده حتى الآن لبدء العمل على تنفيذها. بعض هذه الظروف داخلي وبعضها الآخر خارجي. لا بل يمكن القول انها مزيج من الداخلي والخارجي وذلك نظراً الى العلاقة العامة بين اسرائيل واميركا وقدرة الاولى على التأثير في الثانية على كل المستويات وعلى نحو كبير. ابرز الظروف وجود حكومة يمينية متطرفة في اسرائيل يرئسها بنيامين نتنياهو. فهي عاندت اوباما على مدى عشرة اشهر تقريباً استقبلت خلالها موفده السيناتور السابق جورج ميتشل عشر مرات ورفضت كل اقتراحاته المتوازنة في رأي عرب الاعتدال وغالبية المجتمع الدولي. لكنه لم ينصع لها وقاومها مستندا الى لوبي يهودي اميركي حديث النشأة وطري العود اعتبر ان من ابرز مهماته مواجهة "ايباك" التي تدافع علناً ورسمياً عن مصالح اسرائيل في اميركا والتي تستعمل كل وسائل الضغط على الداخل الاميركي كي تبقى الادارة الاميركية اي ادارة منسجمة مع مصالح اسرائيل. وغايته من المواجهة هي اقناع يهود اميركا بان اسرائيل المسالمة لجيرانها والمعترفة للفلسطينيين بحقوقهم والمتفوقة عسكرياً على العرب مجتمعين تستطيع ان تعيش في المنطقة الى الابد بخلاف اسرائيل الاخرى العنيفة والمعتدية والمغتصبة. لكن على ما يبدو قد يكون وصل اوباما الى استنتاج يفيد ان الغلبة كانت لـ"ايباك". ومن شأن ذلك في حال اصراره على مواقفه "تسويد عيشته" كما يقول المصريون. اذ يمكن ان يتعثّر مشروعه الداخلي للضمان الصحي ومشروعه لانقاذ الاقتصاد. كما يمكن ان يتعرض لحملات بسبب ما يجري في افغانستان والعراق وايران.
طبعاً يقول الاميركيون ان العرب المعتدلين لم يساعدوا ايضاً اذ خذلوا بدورهم اوباما عندما رفضوا تنفيذ خطوات تطبيعية وان اولية مع اسرائيل. وهذا صحيح. لكنهم يعرفون ان عدم مساعدة العرب الرئيس الاميركي ناجمة عن كونهم الطرف المعتدى عليه والمحتاج الى العون الدولي والتنازل الاسرائيلي.
هل يعني ذلك ان تسوية الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي التي كانت عند الرئيس اوباما اولوية لم تعد كذلك؟
ربما، يجيب متابعون اميركيون من قرب لحركة الرئيس الاميركي. لكنهم يشيرون في الوقت نفسه الى ان اسرائيل والدول العربية تساوت في الموقف من اولوية اوباما. اذ اعتبرها كل من الفريقين جاهزة للتنفيذ خلال سنتين حدا اقصى. علماً انه كان عليهما ان يعرفا ان تسوية كهذه غير ممكنة الا خلال ولاية رئاسية او على الارجح ولايتين.
في اي حال ربما يشعر اليهود الاميركيون الداعون اسرائيل الى حل سلمي "عادل" في رأيهم طبعاً بشيء من "القنوط". الا ان ذلك لم يدفعهم الى اليأس اذ بدأوا يشيرون علناً الى ان تطرف نتنياهو وحكومته سيفرض على اسرائيل لاحقاً والولايات المتحدة التحاور مع "حماس" الموضوعة على لوائح الارهاب في الدولتين. كما بدأوا يشيرون الى ان ما يريده نتنياهو من اميركا قد يكون مماثلاً لما اراده شارون منها قبل انسحابه من غزة وازالة مستوطناته فيها. وما اراده شارون عبّر عنه مساعد له في صحيفة اسرائيلية بتلخيص لمحادثات اجراها في اميركا جاء فيه: "توصلت مع الاميركيين الى ان احداً لن يتطرق الى موضوع الاستيطان حتى يصبح الفلسطينيون مسالمين. ومعنى الاتفاق الذي توصلت اليه مع الاميركيين هو تجميد عملية السلام. والتجميد يعني منع اقامة دولة فلسطينية وعدم مناقشة قضيتي اللاجئين والقدس. في اختصار ان "الصفقة" التي اجريناها مع بوش ازالت من "اجندتنا" الدولة الفلسطينية مع كل توابعها بموافقته وموافقة مجلسي الكونغرس". فهل يستجيب اوباما لنتنياهو؟ الجواب ليس عند احد بعد، علماً ان "السوابق" لا تشجع.

← العودة إلى مختارات