قضية مسجد - ساطع نور الدين (السفير)
لا تصغر القضية الوطنية والقومية عندما تختزل في مسجد، لكنها لا تكبر ايضا حتى ولو كان ذلك المسجد هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بل هي تكسب المزيد من الوقت على شاشات التلفزيون التي يمكن ان تسلط الاضواء على حدث لكنها لا يمكن ان تصنعه، ولا أن تعبئ الجمهور لاجله.
في بدايات حركة المقاومة الفلسطينية لم يكن المسجد الاقصى يحتل مكانة خاصة على جدول الاعمال الوطني، اولا لانه لم يكن قد خضع للاحتلال الاسرائيلي، وثانيا لان تلك الحركة كانت في طابعها الغالب قومية او يسارية او بتعبير ادق غير اسلامية التكوين والخطاب والايديولوجيا. ولم تكن خسارة المسجد في العام 1967 سوى حلقة صغيرة من هزيمة كبرى لحقت بالعالم العربي.. برغم ان الاقصى كان يستخدم بين الحين والآخر على لسان قادة منظمة التحرير الفلسطينية كشعار او كوسيلة للوصول الى جمهور اسلامي وبلدان اسلامية كانت مقفلة على القضية الفلسطينية، مع ان الزعيم الراحل ياسر عرفات ظل يعد بالعلم الفلسطيني المرفوع على مآذن القدس وبواباتها حتى لحظة اغتياله.
لم يكن الاقصى يثير حساسية فلسطينية خاصة، ولا كان يمثل خصوصية عربية محددة، ولا كان طبعا يشغل الكثيرين من المسلمين في بقية انحاء العالم، الذين كانوا وما زالوا يكتفون بشد الرحال السنوي الى القبلة الثانية وأول حرم في مكة المكرمة. كان الصراع وطنيا وقوميا ودوليا، ولا يستدعي الكثير من التوقف عند احتلال مسجد تاريخي للصلاة التي لم يكن يلتزم مقاتلو تلك الحقبة اصلا بأدائها في مواقيتها، ولم يتنبهوا الا متأخرين لقداسة المكان ورمزيته وموقعه الفاصل بين الشرق والغرب على مر العصور.
ما يجري اليوم لا يوحي بأن هناك اعادة انتاج للعقيدة الوطنية الفلسطينية على اساس الخطر الاسرائيلي الذي يتهدد الاقصى، برغم كل ما يشاع عن نهوض اسلامي عام لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين في جميع انحاء العالم. الارجح ان هناك محاولة فلسطينية ضيقة جدا، لا تتعدى سكان الاحياء المحيطة بالمسجد للدفاع عن آخر عناصر الهوية الفلسطينية وآخر قلاع الوطنية الفلسطينية، وهي محاولة لا تلقى استجابة كافية لا في رام الله ولا في غزة اللتين تنشغلان بانقسامهما الداخلي. كما ان الصدى يتردد ضعيفا جدا في بعض العواصم العربية والاسلامية لا سيما تلك التي تناصب الاسلاميين العداء وتدرك اكثر من سواها ان الاسلام ليس قاعدة مثلى لمقارعة الغرب ولا حتى لمحاربة الاسرائيليين.
هو اضعف الايمان الفلسطيني، وآخر النداءات الموجهة من قلب الداخل الفلسطيني، عبر فضائيات عربية تستخدم آخر ما توصلت اليه تقنيات الصوت والصورة، لكي تذكر فقط بأن المسجد الاقصى نفسه بات في خطر.. ولكي تناشد الفلسطينيين الانطلاق بانتفاضة ثالثة، طال انتظارها من قبل جمهور عربي واسلامي يترقب تنويعا جديدا على برامجه التلفزيونية الملطخة بالدماء اكثر مما يتوقـــع تعديلا جديدا على برامجــه السياسية الملطخة بالعار.